تلاوات خاشعة

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

نتيجة بحث الصور عن والذين يؤمنون بما انزل اليك

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

جامع البيان — ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت، وأي أجناس الناس هم(١) . غير أنَّا نذكر ما رُوي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قولٌ:
٢٨٩- فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"والذين يؤمنون بما أنزِل إليك وما أنزل من قبلك": أي يصدِّقونك بما جئت به من الله جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا يفرِّقون بينهم، ولا يجْحَدون ما جاءوهم به من عند ربهم(٢) .
٢٩٠- حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ،"والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب(٣) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: أما الآخرةُ فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٦٤] . وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل:"أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة"، وإنما صارت آخرة للأولى، لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها، فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق، كما سميت الدنيا"دنيا" لِدُنُوِّها من الخلق.
وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنزل إلى نبيه محمد ﷺ وما أنزل إلى من قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين: من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة. كما:-
٢٩١- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ : أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي، لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك(٤) .
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها - وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين - تعريض من الله عز وجل بذم كفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم - بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه - مصدقون، وهم بمحمد صلى الله عليه مكذبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ . وأخبر جل ثناؤه عباده: أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصة، دون من كذب بمحمد ﷺ وبما جاء به، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد ﷺ وبما أنزل إليه وإلى من قبله من الرسل - بقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار.

(١) انظر ٢٣٧ - ٢٤١.
(٢) الخبر ٢٨٩- ذكره ابن كثير ١: ٧٩ مع باقيه الآتي: ٢٩١. وذكره السيوطي ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥ بزيادة أخرى على الروايتين، منسوبًا لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٣) الخبر ٢٩٠- وهذا ذكره ابن كثير أيضًا، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه. وقلده الشوكاني.
وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصه
سمع أحمد ومحمد والحسن، بنو عبد الله بن أحمد الفرغاني جميعه.
سمع محمد بن محمد الطرسوسي والحسن بنو محمد بن عبدان، والحسن بن إبراهيم الحناس جميعه. والحمد لله كثيرًا.
(٤) الخبر ٢٩١- هو تتمة الخبر السابق ٢٨٩ وقد أشرنا إليه هناك

فتح البيان — صديق حسن خان (١٣٠٧ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
(والذين يؤمنون) أي يصدقون (بما أنزل اليك) المراد به ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، والتعبير بالماضي مع كون بعضه مترقباً لتغليب المحقق على المقدر أو لتنزيل ما في شرف الوقوع منزلة الواقع، قال القاضي الانزال نقل الشيء من أعلى إلى أسفل، وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها، قال الإمام المراد من إنزال القرآن أن جبريل عليه السلام في السماء سمع كلام الله فنزل به على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما يقال نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل ولكن كان المستمع في علو فنزل وأدى في سفل، وقول الأمير لا يفارق ذاته اهـ.
قال الخفاجي وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه أي يجزم بالنزول من غير معرفة بكيفيته وهو الحق إذ مثل هذا من التدقيقات الفلسفية لا ينبغي ذكره في التفسير اهـ حاصله.
قلت ويرد على مذهب بعض السلف ما ورد في الأحاديث الصحيحة من بيان كيفيهّ الوحي وبدئه وبه ترجم البخاري، وهو أول باب عنون به كتابه الصحيح. وقد نطق به القرآن، ولا شك أن كلامه سبحانه المنزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسموع بالآذان مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، له حرف وصوت كما دلت عليه السنة المطهرة في غير موضع من دواوين الاسلام وزبر الإيمان، وليس هذا موضع بسطه، وسيأتي الكلام عليه تحت تفسير قوله تعالى (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير).
(وما أنزل من قبلك) وهو الكتب السالفة المنزلة على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها، والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلاً فرض كفاية، قيل هو مؤمنو أهل الكتاب، وفيهم نزلت، وقد رجح هذا ابن جرير، ونقله السدي عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم) وبقوله تعالى (والذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب، وقيل إن الآيتين جميعاً في المؤمنين على العموم، وعلى هذا فالجملة عطف على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة أو مرفوعة على الاستئناف، أو عطف على المتقين، والتقدير هدى لهم وللذين يؤمنون، الحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها وليس مجرد ذكر الإيمان بما أنزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل إلى من قبله بمقتضى لجعل ذلك وصفاً لمؤمني أهل الكتاب، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا، ولا في نظم القرآن ما يقتضي ذلك، وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين في غير آية فمن ذلك قوله (يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل) وقوله تعالى (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل اليكم) وقوله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) وقال (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم).
(وبالآخرة) أي بالدار الآخرة، تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول كما أن الدنيا تأنيث الأدنى غلبتا على الدارين فجرتا مجرى الاسماء وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى (تلك الدار الآخرة) وسميت آخرة لتأخرها عن الدنيا وكونها بعدها (وهم يوقنون) الإيقان إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، قال في الكشاف فالمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الآخرة من دون شك، وفي تقديم الظرف مع بناء الفعل على الضمير إشعار بالحصر، وأن ما عدا هذا الأمر الذي هو أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل عندهم للإيقان به والقطع بوقوعه، وفيه تعريض ممن عداهم من أهل الكتاب، فإن اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلاً عن الوصول إلى مرتبة اليقين.
 

الميسر — مجمع الملك فهد

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
والذين يُصَدِّقون بما أُنزل إليك أيها الرسول من القرآن، وبما أنزل إليك من الحكمة، وهي السنة، وبكل ما أُنزل مِن قبلك على الرسل من كتب، كالتوراة والإنجيل وغيرهما، ويُصَدِّقون بدار الحياة بعد الموت وما فيها من الحساب والجزاء، تصديقاً بقلوبهم يظهر على ألسنتهم وجوارحهم. وخص يوم الآخرة بالذِّكْر؛ لأن الإيمان به من أعظم البواعث على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، ومحاسبة النفس.
 

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير (٧٧٤ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يجحدون ما جاؤوهم بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ: بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمَوْصُوفِينَ هَاهُنَا: هَلْ هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] وَمَنْ هُمْ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ:
أَحَدُهُمَا(١) : أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ أَوَّلًا هُمُ الْمَوْصُوفُونَ ثَانِيًا، وَهُمْ كُلُّ مُؤْمِنٍ، مُؤْمِنُو الْعَرَبِ وَمُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ.
وَالثَّانِي: هُمَا وَاحِدٌ، وَهُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَلَى هَذَيْنِ تَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةُ صِفَاتٍ عَلَى صِفَاتٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الْأَعْلَى: ١-٥] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِلَى الْمَلِكِ القَرْم وَابْنِ الهُمام ... وليثِ الْكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم ...
فَعَطَفَ الصِّفَاتِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَالْمَوْصُوفُ وَاحِدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ أَوَّلًا مُؤْمِنُو الْعَرَبِ، وَالْمَوْصُوفُونَ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الْآيَةَ مُؤْمِنُو(٢) أَهْلِ الْكِتَابِ، نَقَلَهُ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَيُسْتَشْهَدُ لِمَا قَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٩] ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٢-٥٤] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي، وَرَجُلٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا"(٣) .
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَمَا اسْتَشْهَدَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ إِلَّا بِمُنَاسَبَةٍ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَكَمَا أَنَّهُ صَنَّفَ الْكَافِرِينَ إِلَى صِنْفَيْنِ: مُنَافِقٌ وَكَافِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ صَنَّفَهُمْ إِلَى عَرَبِيٍّ وَكِتَابِيٍّ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِيمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عن ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَآيَتَانِ فِي نَعْتِ الْكَافِرِينَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ اتَّصَفَ بِهَا مِنْ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ، وَكِتَابِيٍّ مِنْ إِنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ، وَلَيْسَ تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِدُونِ الْأُخْرَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْأُخْرَى وَشَرْطٌ مَعَهَا، فَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْإِيقَانِ بِالْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِذَاكَ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٣٦] . وَقَالَ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ:٤٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٨] وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٢] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أمْر جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ. لَكِنْ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُوصِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِمَا بِأَيْدِيهِمْ(٤) مُفَصَّلًا فَإِذَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَآمَنُوا بِهِ مُفَصَّلًا كَانَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ الْإِيمَانُ، بِمَا تَقَدَّمَ مُجْمَلًا كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَلَكِنْ قُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي(٥) أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ"(٦) وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ إِيمَانُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ بِالْإِسْلَامِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ وَأَعَمُّ وَأَشْمَلُ مِنْ إِيمَانِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَهُمْ وَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَجْرَانِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، فَغَيْرُهُمْ [قَدْ](٧) يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ مَا يُنيف ثَوَابُهُ عَلَى الْأَجْرَيْنِ اللَّذَيْنِ حُصِّلَا لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "أحدها".
(٢) في جـ، ط، ب: "لمؤمني".
(٣) صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤) .
(٤) في جـ: "بما في أيديهم".
(٥) في طـ، ب، أ، و: "بما".
(٦) صحيح البخاري برقم (٤٤٨٥، ٧٣٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٧) زيادة من طـ، ب.
   فتح القدير — الشوكاني (١٢٥٠ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ٤-٥]
وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أنْزَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهُ وفِيهِمْ نَزَلَتْ.
وقَدْ رَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ السُّدِّيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، واسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآيَةَ.
والآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ.
وقِيلَ: الآيَتانِ جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ.
وعَلى هَذا فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ولِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ.
والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ: هو الكُتُبُ السّالِفَةُ.
والإيقانُ: إيقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، قالَهُ في الكَشّافِ، والمُرادُ أنَّهم يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وسائِرِ أُمُورِ الآخِرَةِ مِن دُونِ شَكٍّ.
والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخَرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ، وهي صِفَةُ الدّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] وفي تَقْدِيمِ الظَّرْفِ مَعَ بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِالحَصْرِ، وأنَّ ما عَدا هَذا الأمْرَ الَّذِي هو أساسُ الإيمانِ ورَأْسُهُ لَيْسَ بِمُسْتَأْهِلٍ لِلْإيقانِ بِهِ والقَطْعِ بِوُقُوعِهِ.
وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ إذْ ذاكَ إلّا البَعْضُ لا الكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ النّازِلِ قَبْلَ نُزُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبِلَكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وما جاءَ بِهِ مِن قَبْلِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهم، ولا يَجْحَدُونَ ما جاءُوهم مِن رَبِّهِمْ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إيمانًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ أيْ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَ مِن رَبِّكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ كالَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما أُنْزِلَ إلى مَن قَبْلَهُ بِمُقْتَضٍ لِجَعْلِ ذَلِكَ وصْفًا لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَأْتِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِهَذا ولا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ الثَّناءُ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في غَيْرِ آيَةٍ.
فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ [النساء: ١٥٢] .
 
المختصر — مركز تفسير

﴿ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة ٣-٤]
الذين يؤمنون بالغيب وهو كل ما لا يُدرك بالحواس وغاب عنّا، مما أخبر الله عنه أو أخبر عنه رسوله، كاليوم الآخر، وهم الذين يقيمون الصلاة بأدائها وفق ما شرع الله من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها، وهم الذين ينفقون مما رزقهم الله، بإخراج الواجب كالزكاة، أو غير الواجب كصدقة التطوع، رجاء ثواب الله، وهم الذين يؤمنون بالوحي الذي أنزل الله عليك - أيها النبي - والذي أنزل على سائر الأنبياء عليهم السلام من قبلك دون تفريق، وهم الذين يؤمنون إيمانًا جازمًا بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب.
 
الجامع لأحكام القرآن — القرطبي (٦٧١ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قِيلَ: الْمُرَادُ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَفِيهِ نَزَلَتْ، وَنَزَلَتِ الْأُولَى فِي مُؤْمِنِي الْعَرَبِ. وَقِيلَ: الْآيَتَانِ جَمِيعًا فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِ فَإِعْرَابُ "الَّذِينَ" خَفْضٌ عَلَى الْعَطْفِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَيْ وَهُمُ الَّذِينَ. وَمَنْ جَعَلَهَا فِي صِنْفَيْنِ فَإِعْرَابُ "الَّذِينَ" رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ "أُولئِكَ عَلى هُدىً" وَيُحْتَمَلُ الْخَفْضُ عَطْفًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) يَعْنِي الْكُتُبَ السَّالِفَةَ، بِخِلَافِ مَا فَعَلَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى حَسْبَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ:" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ(١) قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] الْآيَةَ. وَيُقَالُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: نَحْنُ آمَنَّا بالغيب، فلما قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] قَالُوا: نَحْنُ نُقِيمُ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا قَالَ "وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ" قَالُوا: نَحْنُ نُنْفِقُ وَنَتَصَدَّقُ، فَلَمَّا قَالَ: "وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" نَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ؟ قَالَ: (مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شِيثَ خمسين صحيفة وعلى أخنوخ (٢) ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ وَأَنْزَلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ (. الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْحُسَيْنُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الْبَسْتِيُّ. وَهُنَا مَسْأَلَةٌ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِهَا مَعَ تَنَافِي أَحْكَامِهَا؟ قِيلَ لَهُ فِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيمَانَ بِأَنَّ جَمِيعَهَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَسْقَطَ التَّعَبُّدَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرَائِعِ. الثَّانِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ التزام الشرائع المتقدمة، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ وَبِالْبَعْثِ وَالنَّشْرِ هُمْ عَالِمُونَ. وَالْيَقِينُ: الْعِلْمُ دُونَ الشَّكِّ، يُقَالُ مِنْهُ: يَقِنْتُ الْأَمْرَ (بِالْكَسْرِ) يَقْنًا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ. وَإِنَّمَا صَارَتِ الْيَاءُ وَاوًا فِي قَوْلِكَ: مُوقِنٌ، لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ رَدَدْتَهُ إِلَى الْأَصْلِ فَقُلْتَ مُيَيْقِنُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ. وَرُبَّمَا عَبَّرُوا بِالْيَقِينِ عَنِ الظَّنِّ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ يُوقِنُهُ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ خلاف ذلك فلا شي عَلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:(٢)
تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي ... بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُهْ
يَقُولُ: تَشَمَّمَ الْأَسَدُ نَاقَتِي، يَظُنُّ أَنَّنِي مُفْتَدٍ بِهَا مِنْهُ، وَأَسْتَحْمِي نَفْسِي فَأَتْرُكُهَا لَهُ وَلَا أَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ بِمُقَاتَلَتِهِ فَأَمَّا الظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ فَوَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ وَهُوَ فِي الشِّعْرِ كَثِيرٌ، وَسَيَأْتِي. وَالْآخِرَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّأَخُّرِ لِتَأَخُّرِهَا عَنَّا وَتَأَخُّرِنَا عَنْهَا، كَمَا أَنَّ الدُّنْيَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّنُوِّ، على ما يأتي.

(١) راجع ج ٢ ص ٢ ﴿٢٩) أخنوخ هو إدريس عليه السلام.
(٢) هو أبو سدرة الأسدي، ويقال: الهجيمي.
 

معالم التنزيل — البغوي (٥١٦ هـ)


﴿الۤمۤ (١) ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ (٢) ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ١-٥]
سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ(١)
وَهِيَ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسَبْعُ آيَاتٍ
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: الم وَسَائِرُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَهِيَ سِرُّ الْقُرْآنِ. فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فِي كُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ وَسِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ، وَقَالَ عَلِيٌّ: لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الْكِتَابِ حُرُوفُ (التَّهَجِّي)(٢) وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: كُنْتُ أَسْأَلُ الشَّعْبِيَّ عَنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَإِنَّ سِرَّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ فَدَعْهَا وَسَلْ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هِيَ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي كهيعص: الْكَافُ مِنْ كَافِي وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ. وَقِيلَ فِي المص أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الصَّادِقُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي الم: الْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّطِيفِ، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ الْمَجِيدِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ مُلْكُهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى الم: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ: وَمَعْنَى(٣) المص: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأفضل وَمَعْنَى الر: أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمَعْنَى المر: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا كَقَوْلِهِمْ: قُلْتُ لَهَا: قِفِي لَنَا قَالَتْ: قَافْ(٤)
أَيْ: وَقَفْتُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ هِيَ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى (مُقَطَّعَةٌ)(٥) لَوْ عَلِمَ النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ الر، وَحم، وَن، فَتَكُونُ الرَّحْمَنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا إِلَّا أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى وَصْلِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ أَسْمَاءُ (السُّوَرِ)(٦) وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَرَأْتُ المص عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالمص. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا أَقْسَامٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا لِأَنَّهَا (مَبَادِئُ)(٧) كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَمَبَانِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى(٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أَيْ هَذَا الْكِتَابُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: هَذَا فِيهِ مُضْمَرٌ أَيْ هَذَا ذَلِكَ الْكِتَابُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ اللَّهُ قَدْ وَعَدَ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَلَمَّا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ قَالَ هَذَا ﴿ذَلِكَ﴾(٩) الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُنْزِلَهُ عَلَيْكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَعَلَى لِسَانِ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِكَ "وَهَذَا" لِلتَّقْرِيبِ "وَذَلِكَ" لِلتَّبْعِيدِ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ سُوَرًا كَذَّبَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَقَالَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ الْبَقَرَةَ مِنَ السُّوَرِ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ خَلْقٌ، وَهَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ فُلَانٍ أَيْ مَضْرُوبُهُ. وَأَصْلُ الْكَتْبِ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَيُقَالُ لِلْجُنْدِ: كَتِيبَةٌ لِاجْتِمَاعِهَا، وَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ جَمْعُ حَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَقِيلَ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ لَا تَرْتَابُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١٩٧-الْبَقَرَةِ) أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ بِالْإِشْبَاعِ فِي الْوَصْلِ وَكَذَلِكَ كَلُّ هَاءِ كِنَايَةٍ قَبْلَهَا سَاكِنٌ يُشْبِعُهَا وَصْلًا مَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ ثُمَّ إِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَاءِ يَاءً يُشْبِعُهَا بِالْكَسْرَةِ يَاءً وَإِنْ كَانَ غَيْرَ يَاءٍ يُشْبِعُهَا بِالضَّمِّ وَاوًا وَوَافَقَهُ حَفْصٌ فِي قَوْلِهِ ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ (٦٩-الْفُرْقَانِ) (فَيُشْبِعُهُ)(١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يُدْغِمُ الْغُنَّةَ عِنْدَ اللَّامِ وَالرَّاءِ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، زَادَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ عِنْدَ الْيَاءِ وَزَادَ حَمْزَةُ عِنْدَ الْوَاوِ وَالْآخَرُونَ لَا يُدْغِمُونَهَا وَيُخْفِي أَبُو جَعْفَرٍ النُّونَ وَالتَّنْوِينَ عِنْدَ الْخَاءِ وَالْغَيْنِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ هُوَ هُدًى أَيْ رُشْدٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ هَادِيًا تَقْدِيرُهُ لَا رَيْبَ فِي هِدَايَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ وَالْهُدَى مَا يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ، لِلْمُتَّقِينَ أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُتَّقِي مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ وَالْفَوَاحِشَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّقَاءِ. وَأَصْلُهُ الْحَجْزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَمِنْهُ يُقَالُ اتَّقَى بِتُرْسِهِ أَيْ جَعَلَهُ حَاجِزًا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ مَا يَقْصِدُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ"(١١) أَيْ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ جَعَلْنَاهُ حَاجِزًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، فَكَأَنَّ الْمُتَّقِي يَجْعَلُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عَمَّا نَهَاهُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَذَابِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ(١٢) حَدِّثْنِي عَنِ التَّقْوَى فَقَالَ: هَلْ أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهِ قَالَ: حَذِرْتُ وَشَمَّرْتُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ التَّقْوَى. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الْمُتَّقِي الَّذِي يَتْرُكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: التَّقْوَى تَرْكُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَأَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ فَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ. وَقِيلَ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْحَدِيثِ: "جِمَاعُ التَّقْوَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٩٠-النَّحْلِ) الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: التَّقْوَى أَنْ لَا تَرَى نَفْسَكَ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ. وَتَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفٌ لَهُمْ أَوْ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُتَّقُونَ بِالْهُدَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مَوْضِعُ الَّذِينَ خَفْضٌ نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ. يُؤْمِنُونَ: يُصَدِّقُونَ [وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ أَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ وَالْآخَرُونَ يَهْمِزُونَهُ وَكَذَلِكَ يَتْرُكَانِ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ نَحْوَ يُؤْمِنُ وَمُؤْمِنٌ إِلَّا أَحْرُفًا مَعْدُودَةً](١٣) .
وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١٧-يُوسُفَ) [أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا](١٤) وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ: الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَسُمِّيَ الْإِقْرَارُ وَالْعَمَلُ إِيمَانًا؛ لِوَجْهٍ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِعِهِ.
وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ، فَكُلُّ إِيمَانٍ إِسْلَامٌ وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَصْدِيقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١٤-الْحُجُرَاتِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ فِي الْبَاطِنِ. وَقَدْ يَكُونُ مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ جَوَابُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُمَا حِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَوَيْهٍ الزَّرَّادُ الْبُخَارِيُّ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ ثَنَا أَبُو أحمد عيسى ٦/أبْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا كَهَمْسُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ، يَعْنِي بِالْبَصْرَةِ، مَعْبَدًا الْجُهَنِيَّ فَخَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نُرِيدُ مَكَّةَ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ فَلَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَتَفَقَّرُونَ هَذَا الْعِلْمَ وَيَطْلُبُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ إِنَّمَا الْأَمْرُ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَإِنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ (لِأَحَدِهِمْ)(١٥) مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ثُمَّ قَالَ:
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: "بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ مَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ فَأَقْبَلَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وَرُكْبَتُهُ تَمَسُّ(١٦) رُكْبَتَهُ] فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَقَالَ: صَدَقْتَ فَتَعَجَّبْنَا مِنْ سُؤَالِهِ وَتَصْدِيقِهِ. ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِيمَانُ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرَسُولِهِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَقَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِحْسَانُ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي بُنْيَانِ الْمَدَرِ قَالَ: صَدَقْتَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: ذلك جبرئيل أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ وَمَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ فِيهَا إِلَّا فِي صُورَتِهِ هَذِهِ"(١٧) فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الْإِسْلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ أَوِ التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ذَاكَ جَبْرَائِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ جَرِيرٍ الرَّازِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"(١٨) .
وَقِيلَ: الْإِيمَانُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَمَانِ، فَسُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْعِبَادَ مِنْ عَذَابِهِ(١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿بِالْغَيْبِ﴾: وَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ فَقِيلَ لِلْغَائِبِ غَيْبٌ [كَمَا قِيلَ لِلْعَادِلِ عَدْلٌ وَلِلزَّائِرِ زَوْرٌ. وَالْغَيْبُ مَا كَانَ مَغِيبًا عَنِ الْعُيُونِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَيْبُ هَاهُنَا كُلُّ مَا أُمِرْتَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِيمَا غَابَ عَنْ بَصَرِكَ مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ. وَقِيلَ الْغَيْبُ هَاهُنَا: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: بِالْآخِرَةِ وَقَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ: بِالْوَحْيِ. نَظِيرُهُ: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ (٣٥-النَّجْمِ) وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِالْقَدَرِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ [وَمَا سَبَقُونَا بِهِ](٢٠) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ ثُمَّ قَرَأَ "الم ذَلِكَ الْكِتَابُ" إِلَى قَوْلِهِ "الْمُفْلِحُونَ". قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ يُؤْمِنُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ بِتَرْكِ كُلِّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ إِلَّا فِي أَنْبِئْهُمْ وَنَبِّئْهُمْ وَنَبِّئْنَا وَيَتْرُكُ أَبُو عَمْرٍو كُلَّهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَامَةً لِلْجَزْمِ نَحْوَ نَبِّئْهُمْ وَأَنْبِئْهُمْ وَتَسُؤْهُمْ وَإِنْ نَشَأْ وَنَنْسَأْهَا وَنَحْوَهَا أَوْ يَكُونَ خُرُوجًا مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى نَحْوَ مُؤْصَدَةٌ وَرِئْيًا. وَيَتْرُكُ وَرْشٌ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ كَانَتْ فَاءَ الْفِعْلِ إِلَّا تُؤْوِي وَتُؤْوِيهِ وَلَا يَتْرُكُ مِنْ عَيْنِ الْفِعْلِ: إِلَّا الرُّؤْيَا وَبَابَهُ، إِلَّا مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فِعْلٍ. مِثْلَ: ذِئْبٍ](٢١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أَيْ يُدِيمُونَهَا وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا بِحُدُودِهَا، وَأَرْكَانِهَا وَهَيْئَاتِهَا يُقَالُ: قَامَ بِالْأَمْرِ، وَأَقَامَ الْأَمْرَ إِذَا أَتَى بِهِ مُعْطًى حُقُوقَهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ذُكِرَ بِلَفْظِ (الْوُحْدَانِ)(٢٢) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (٢١٣-الْبَقَرَةِ) يَعْنِي الْكُتُبَ.
وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (١٠٣-التَّوْبَةِ) أَيِ ادْعُ لَهُمْ، وَفِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقُعُودٍ وَدُعَاءٍ وَثَنَاءٍ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٥٦-الْأَحْزَابِ) الْآيَةَ إِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّحْمَةُ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ: الدُّعَاءُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ (أَيْ)(٢٣) أَعْطَيْنَاهُمْ وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَتَّى الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يَتَصَدَّقُونَ. قَالَ قَتَادَةُ: يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ. وَأَصْلُ الْإِنْفَاقِ: الْإِخْرَاجُ عَنِ الْيَدِ وَالْمُلْكِ، وَمِنْهُ نِفَاقُ السُّوقِ؛ لِأَنَّهُ تَخْرُجُ فِيهِ السِّلْعَةُ عَنِ الْيَدِ، ومنه: نَفَقَتِ الدَّابَّةُ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهَا. فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَيَتْرُكُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَقَالُونُ (وَأَبُو عَمْرٍو)(٢٤) وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَعْقُوبُ كُلَّ مَدَّةٍ تَقَعُ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ. وَالْآخَرُونَ يَمُدُّونَهَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالآخِرَةِ﴾ أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي يستيقنون أنها كائنة، مِنَ الْإِيقَانِ: وَهُوَ الْعِلْمُ. وَقِيلَ: الْإِيقَانُ وَالْيَقِينُ: عِلْمٌ عَنِ اسْتِدْلَالٍ. وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللَّهُ مُوقِنًا وَلَا عِلْمُهُ يَقِينًا إِذْ لَيْسَ عِلْمُهُ عَنِ اسْتِدْلَالٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أَيْ أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُولَاءِ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الْكِنَايَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ نَحْوُ: هُمْ، وَالْكَافُ لِلْخِطَابِ كَمَا فِي حَرْفِ ذَلِكَ ﴿عَلَى هُدًى﴾ أَيْ رُشْدٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي الناجون ٦/ب وَالْفَائِزُونَ فَازُوا بِالْجَنَّةِ وَنَجَوْا مِنَ النَّارِ، وَيَكُونُ الْفَلَاحُ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ أَيْ بَاقُونَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَأَصْلُ الْفَلَاحِ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ وَمِنْهُ سُمِّي الزَّرَّاعُ فَلَّاحًا لِأَنَّهُ يَشُقُّ الْأَرْضَ وَفِي الْمَثَلِ: الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ أَيْ يُشَقُّ فَهُمْ (مَقْطُوعٌ)(٢٥) لَهُمْ بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

(١) البقرة: مائتان وثمانون وخمس، وقيل ست، وقيل سبع. (الإتقان - المجلد الأول- ٢٣٥) .
(٢) في ب: الهجاء.
(٣) في أ: المعنى.
(٤) هذا الرجز للوليد بن عقبة، وتمامه: "لا نحسبي أنا نسينا الإيجاف". انظر: تفسير الطبري: ١ / ٢١٢، تفسير الواحدي: ١ / ٢٦.
(٥) في هامش (أ) : مقطعة غير مؤلفة.
(٦) في الأصل: السورة.
(٧) في المطبوع: مباني.
(٨) انظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري: ١ / ٢٠٥-٢٢٤، تفسير الواحدي: ١ / ٢٥-٢٦.
(٩) ساقط من (ب) .
(١٠) في ب: فأشبعه.
(١١) رواه مسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين (١٧٧٦) عن البراء: ٣ / ١٤٠١. وأخرجه المصنف في شرح السنة ٤ / ٣٣.
(١٢) انفرد ابن كثير بأن المسئول هو أبي بن كعب - حاشية ابن كثير.
(١٣) زيادة من (ب) .
(١٤) زيادة من (ب) .
(١٥) في الأصل: لأحد.
(١٦) في الأصل: يمس ركبته.
(١٧) أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام: ١ / ١١٤. ومسلم في الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان برقم ٨و٩: ١ / ٣٦-٣٧. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١ / ٨-٩.
(١٨) أخرجه البخاري في الإيمان، باب أمور الإيمان: ١ / ٥٠. ومسلم في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها برقم (٥٧) : ١ / ٦٣ وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١ / ٣٤.
(١٩) راجع بالتفصيل فيما يتعلق بمباحث الإيمان كتاب "الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢٠) زيادة من "ب".
(٢١) ساقط من حاشية ابن كثير ومثبت على حاشية الخازن ص (٢٥) .
(٢٢) في (ب) : الواحد.
(٢٣) زيادة من (ب) .
(٢٤) زيادة من (ب) .
(٢٥) في ب: المقطوع.
 
التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيّ (٧٤١ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هل هم المذكورون قبل فيكون من عطف الصفات، أو غيرهم وهم من أسلم من أهل الكتاب، فيكون عطفاً للمغايرة، أو مبتدأ وخبره الجملة بعد ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ القرآن ﴿وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل.
 
تيسير الكريم الرحمن — السعدي (١٣٧٦ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله، على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه، خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم. ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ و " الآخرة " اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و " اليقين " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل.
 
أيسر التفاسير — أبو بكر الجزائري (١٤٣٩ هـ)


﴿الۤمۤ (١) ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ (٢) ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ١-٥]
﴿الۤمۤ﴾
شرح الكلمة:
الۤمۤ: هذه من الحروف المقطعة تكتب الۤمۤ وتقرأ هكذا:
ألِفْ لام مِّيمْ. والسور المفتتحة بالحروف المقطعة تسع وعشرون سورة أولها البقرة هذه وآخرها القلم «نۤ» ومنها الأحادية مثل صۤ. وقۤ، ونۤ، ومنها الثنائية مثل طه، ويسۤ، وحمۤ، ومنها الثلاثية والرباعية والخماسية ولم يثبت في تفسيرها عن النبي ﷺ شيء وكونها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه أقرب إلى الصواب ولذا يقال فيها: الۤمۤ: الله أعلم بمراده بذلك.
وقد استخرج منها بعض أهل العلم فائدتين: الأولى أنه لما كان المشركون يمنعون سماع القرآن مخافة أن يؤثر في نفوس السامعين كان النطق بهذه الحروف حمۤ. طسۤ. قۤ. كۤهيعۤصۤ وهو منطق غريب عنهم يستميلهم إلى سماع القرآن فيسمعون فيتأثرون وينجذبون فيؤمنون ويسمعون وكفى بهذه الفائدة من فائدة. والثانية لما انكر المشركون كون القرآن كلام الله أوحاه إلى رسوله محمد ﷺ كانت هذه الحروف بمثابة المتحدِّي لهم كأنها تقول لهم: إن هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف فألفوا أنتم مثله. ويشهد بهذه الفائدة ذكر لفظ القرآن بعدها غالباً نحو ﴿الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتابُ﴾. ﴿الۤر تِلْكَ آياتُ ٱلْكِتابِ﴾ [يونس: ١، يوسف: ١، الحجر: ١]، ﴿طسۤ تِلْكَ آياتُ ٱلْقُرْآنِ﴾ [النمل: ١]، كأنها تقول: إنه من مثل هذه الحروف تألف القرآن فألفوا أنتم نظيره فإن عجزتم فسلموا أنه كلام الله ووحيه وآمنوا به تفلحوا.
﴿ذَلِكَ ٱلْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾
شرح الكلمات:
ذلك: هذا، وإنما عُدل عن لفظ هذا إلى ذلك. لما تفيده الإشارة بلام البعد من علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن.
الكتاب: القرآن الكريم الذي يقرأه رسول الله صلى الله علي وسلم على الناس.
لا ريب: لا شك في أنه وحي الله وكلامه أوحاه إلى رسوله.
فيه هدىً: دلالةٌ على الطريق الموصل إلى السعادة والكمال في الدارين.
للمتقين: المتقين أي عذاب الله بطاعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
معنى الآية:
يخبر تعالى أن ما أنزله على عبده ورسوله من قرآن يمثل كتاباً فخماً عظيماً لا يحتمل الشك ولا يتطرق إليه احتمال كونه غير وحي الله وكتابه بحال، وذلك لإعجازه، وما يحمله من هدى ونور لأهل الإيمان والتقوى يهتدون بهما الى سبل السلام والسعادة والكمال.
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- تقوية الإيمان بالله تعالى وكتابه ورسوله، الحث على طلب الهداية من الكتاب الكريم.
٢- بيان فضيلة التقوى وأهلها.
الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.
والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون.
أولئك على هدىً من ربهم، وأولئك هم المفلحون.
شرح الجمل:
يؤمنون بالغيب: يصدقون تصديقاً جازماً لكل ما هو غيب لا يدرك بالحواس كالربّ تبارك وتعالى ذاتاً وصفاتٍ والملائكة والبعث، والجنة ونعيمها والنار وعذابها.
ويقيمون الصلاة: يُديمون أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع مراعاة شرائطها وأركانها وسننها ونوافلها الراتبة وغيرها.
ومما رزقناهم ينفقون: من بعض ما آتاهم الله من مال ينفقون وذلك بإخراجهم لزكاة أموالهم وبإنفاقهم على أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ووالديهم وتصدقهم على الفقراء والمساكين.
يؤمنون بما أنزل إليك: يصدقون بالوحي الذي أنزل إليك أيها الرسول وهو الكتاب والسنة.
وما أنزل من قبلك: ويصدقون بما أنزل الله تعالى من كتب على الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل والزبور.
وبالآخرة هم يوقنون: وبالحياة في الدار الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب هم عالمون متيقنون لا يشكون في شيء من ذلك ولا يرتابون لكامل إيمانهم وعظم اتقائهم.
أولئك على هدى من ربهم: الإشارة إلى أصحاب الصفات الخمس السابقة والإخبار عنهم بأنهم بما هداهم الله تعالى إليه من الإيمان وصالح الأعمال هم متمكنون من الاستقامة على منهج الله المفضي بهم إلى الفلاح.
وأولئك هم المفلحون: الإشارة الى أصحاب الهداية الكاملة والإخبار عنهم بأنهم هم المفلحون الجديرون بالفوز الذي هو دخول الجنة بعد النجاة من النار.
معنى الآيات:
ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث صفات المتقين من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بما أنزل الله من كتب والإيمان بالدار الآخرة وأخبر عنهم بأنهم لذلك هم على أتم هداية من ربهم، وأنهم هم الفائزون في الدنيا بالطهر والطمأنينة وفي الآخرة بدخول الجنة بعد النجاة من النار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
دعوة المؤمنين وترغيبهم في الاتصاف بصفات أهل الهداية والفلاح، ليسلكوا سلوكهم فيهتدوا ويفلحوا في دنياهم وأخراهم.
 
روح المعاني — الآلوسي (١٢٧٠ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ مَفْصُولًا ومَوْصُولًا، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أُنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وحَيْثُ إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ العَطْفِ أنَّ الإيمانَ بِكُلٍّ مِنَ المُنَزَّلَيْنِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ، لِأنَّ إيمانَ غَيْرِهِمْ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ الإجْمالِ والتَّبَعِ لِلْإيمانِ بِالقُرْآنِ، لا سِيَّما في مَقامِ المَدْحِ، وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ والأحادِيثُ عَلى أنَّ لِأهْلِ الكِتابِ أجْرَيْنِ بِواسِطَةِ ذَلِكَ، وبِهَذا غايَرُوا مَن قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بِاعْتِبارِ أنَّ الإيمانَ الأوَّلَ بِالعَقْلِ، وهَذا بِالنَّقْلِ، أوْ بِأنَّ ذاكَ بِالغَيْبِ، وهَذا بِما عَرَفُوهُ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَأُولَئِكَ عَلى هُدًى حِينَئِذٍ إشارَةً إلى الطّائِفَةِ الأُولى، لِأنَّ إيمانَهم بِمَحْضِ الهِدايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِفَوْزِهِمْ بِما كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ، أوْ بِأنَّ أُولَئِكَ مِن حَيْثُ المَجْمُوعُ كانَ فِيهِمْ شِرْكٌ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُشْرِكُوا، ولَمْ يُنْكِرُوا، وقِيلَ التَّغايُرُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ والتَّخْصِيصُ هُنا بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِلْإشارَةِ إلى الأفْضَلِيَّةِ مِن حَيْثِيَّةِ إنَّهم يُعْطَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، وقَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبُ أهْلِ الكِتابِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَؤُلاءِ الأوَّلُونَ بِأعْيانِهِمْ، وتَوْسِيطُ العَطْفِ جارٍ في الأسْماءِ والصِّفاتِ بِاعْتِبارِ تَغايُرِ المَفْهُوماتِ، ويَكُونُ بِالواوِ، والفاءِ، وثُمَّ بِاعْتِبارِ تَعاقُبِ الِانْتِقالِ في الأحْوالِ، والجَمْعُ المُسْتَفادُ مِنَ الواوِ هُنا واقِعٌ بَيْنَ مَعانِي الصِّفاتِ المَفْهُومَةِ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والإيمانُ الَّذِي مَعَ أوَّلِهِما إجْمالِيٌّ وعَقْلِيٌّ، ومَعَ ثانِيها تَفْصِيلِيٌّ ونَقْلِيٌّ، وإعادَةُ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَغايُرِ القَبِيلَتَيْنِ، وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ، وقَدْ يُعْطَفُ عَلى المُتَّقِينَ، والمَوْصُولُ غَيْرُ مَفْصُولٍ، لِما يَلْزَمُ عَلى الوَصْلِ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهِ، والمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّغايُرُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، وبِالمَعْطُوفِ مَن آمَنَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هُمُ الأوَّلُونَ، وتَوَسُّطُ الواوِ بَيْنَ الصِّفاتِ بِأنَّ الإيمانَ بِالمُنَزَّلَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ قاطِبَةً، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ بِكُلِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ فَقَدْ أفْرَدَ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ ولَمْ يَقْتَضِ الإيمانُ بِها عَلى الِانْفِرادِ، وبِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْجِيلِ، ودِينُهم مَنسُوخٌ بِهِ، وبِأنَّ الصِّفاتِ السّابِقَةَ ثابِتَةٌ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فالتَّخْصِيصُ بِمَن عَداهم تَحَكُّمٌ، وجَعْلُ الكَلامِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لا يُلائِمُ المَقامَ.
وأُجِيبُ، أمّا أوَّلًا، فَبِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ السِّياقِ الإيمانُ بِالِاسْتِقْلالِ لا سِيَّما في مَقامِ المَدْحِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ما جاءَ أنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، والخِطابُ في الآيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَقُولُوا دُفْعَةً، ولَمْ يَعُدْ فِيها الإيمانُ والمُؤْمِنُ فَلا تُرَدُّ نَقْضًا، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابِ بِكُلِّ وحْيٍ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِهِمْ، فاليَهُودُ اشْتَمَلَ إيمانُهم عَلى القُرْآنِ، والتَّوْراةِ، والنَّصارى اشْتَمَلَ إيمانُهم عَلى الإنْجِيلِ أيْضًا، ويَكْفِي هَذا في تَوْجِيهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ شاهَدُوا نُزُولَ الوَحْيِ، ولا يُرْغَبُ عَنْهُ إذا أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ، وكَوْنُ المَفْهُومِ المُتَبادِرِ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِكُلِّ واحِدٍ إنْ سُلِّمَ لا يَرُدُّهُ، ولا يَرُدُّ أنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُؤْمِنُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّوْراةِ، وإلّا لَتَنَصَّرُوا لِأنَّ فِيها نُبُوَّةَ عِيسى، كَما فِيها نُبُوَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ قَدْ ورَدَ فِيها: إنَّ اللَّهَ جاءَ مِن طُورِ سَيْناءَ، وظَهَرَ بِساعِيرَ، وعَلَنَ بِفارانَ، وساعِيرُ بَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ عِيسى، وفارانُ جِبالُ مَكَّةَ الَّتِي كانَتْ مَظْهَرَ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّهم آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، وتَأوَّلُوا ما دَلَّ مِنها عَلى نُبُوَّةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَعْضٌ أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ رَأْسًا، ورَمَوْهُ بِما رَمَوْهُ، وحاشاهُ، وهُمُ الكَثِيرُونَ، وبَعْضٌ كالعِنانِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى المُخْلِصِينَ العارِفِينَ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، وهَؤُلاءِ قَلِيلُونَ مُخالِفُونَ لِسائِرِ اليَهُودِ في السَّبْتِ والأعْيادِ، ويَقْتَصِرُونَ عَلى أكْلِ الطَّيْرِ، والظِّباءِ، والسَّمَكِ، والجَرادِ، وهَذا الإيمانُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نافِعًا في النَّجاةِ مِنَ النّارِ، إلّا أنَّهُ يُقَلِّلُ الشَّرَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفْرِ بِالتَّوْراةِ وإنْكارِها بِالكُلِّيَّةِ مَعَ الكُفْرِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُبَّما يُمْدَحُونَ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الإيمانِ بِها، وإنْ ذُمُّوا بِحَيْثِيَّةٍ أُخْرى، وكَأنَّهُ لِهَذا يُكْتَفى مِنهم بِالجِزْيَةِ، ولَمْ يَكُونُوا طُعْمَةً لِلسُّيُوفِ مُطْلَقًا، والقَوْلُ بِأنَّهم مُدِحُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ بِالإيمانِ بِالتَّوْراةِ نَظَرًا إلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهم مُؤْمِنُونَ بِها إيمانًا صَحِيحًا عَلى وجْهِها، كَما أنَّهم ذُمُّوا بِما صَنَعَ آباؤُهم عَلى عَهْدِهِ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا مَعْنى لِإيتائِهِمْ أجْرَيْنِ حِينَئِذٍ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ واضِحٌ، ثُمَّ النَّسْخُ الَّذِي ادَّعاهُ المُرَجِّحُ خِلافُ ما ذَكَرَهُ الشَّهْرَسْتانِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ الإنْجِيلَ لَمْ يُبَيِّنْ أحْكامًا، ولا اسَتَبْطَنَ حَلالًا وحَرامًا، ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ، والأحْكامُ مُحالَةٌ إلى التَّوْراةِ، وقَدْ قالَ المَسِيحُ: ما جِئْتُ لِأُبْطِلَ التَّوْراةَ بَلْ جِئْتُ لِأُكْمِلَها، وهَذا خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ ثُبُوتَ الصِّفاتِ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَضُرُّنا، لِأنَّها مَذْكُورَةٌ في الأوَّلِ صَرِيحًا، وفي الثّانِي التِزامًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ العَطْفَ لا يُلائِمُ المَقامَ، فَنِكاتُ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لا تَخْفى كَثْرَتُها عَلى ذَوِي الأفْهامِ، فَدَعْ ما مَرَّ، وخُذْ ما حَلا، وعِنْدِي بَعْدَ هَذا كُلِّهِ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، لَكِنَّ الرِّوايَةَ دَعَتْ إلى ذَلِكَ، ولَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، عَلى أنَّ الدِّرايَةَ قَدْ تُساعِدُهُ كَما قِيلَ، بِناءً عَلى أنَّ إعادَةَ المَوْصُولِ وتَوْصِيفِهِ بِالإيمانِ بِالمُنَزَّلَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِ بَيْنَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، واشْتِمالِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يُرادَ بِهِ مَن لَهم نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِالصِّلَةِ، وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ كانُوا مُطالَبِينَ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ خُصُوصًا، قالَ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مُؤْمِنِينَ بِالكُتُبِ اسْتِقْلالًا في الجُمْلَةِ بِخِلافِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ المُتَبادِرُ مِن أهْلِ الكِتابِ أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وحَمْلُهُ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ خاصَّةً، وقَدْ آمَنَ مِنهم أرْبَعُونَ واثْنانِ وثَلاثُونَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ، لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ ولا دِرايَةٌ كَما لا يَخْفى، والإنْزالُ الإيصالُ والإبْلاغُ، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مِن أعْلى خِلافًا لِمَنِ ادَّعاهُ نَحْوَ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ وصَلَ وحَلَّ، وإنْزالُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قَدْ مَرَّ في المُقَدِّماتِ ما يُطْلِعُكَ إلى مَعارِجِهِ، وذُكِرَ أنَّ مَعْنى إنْزالِ القُرْآنِ أنَّ جِبْرِيلَ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَنَزَلَ بِهِ، أوْ أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ كِتابَةً فَحَفِظَهُ المَلَكُ، وذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ، وقالَ الحُكَماءُ: إنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قُدْسِيَّةٌ، فَتَقْوى عَلى الِاتِّصالِ بِالمَلَإ الأعْلى، فَيَنْتَقِشُ فِيها مِنَ الصُّوَرِ ما يَنْتَقِلُ إلى القُوَّةِ المُتَخَيَّلَةِ والحِسِّ المُشْتَرَكِ، فَيَرى كالمُشاهِدِ، وهو الوَحْيُ، ورُبَّما يَعْلُو فَيَسْمَعُ كَلامًا مَنظُومًا، ويُشْبِهُ أنَّ نُزُولَ الكُتُبِ مِن هَذا، وعِنْدِي أنَّ هَذا قَدْ يَكُونُ لِأرْبابِ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، والأرْواحِ الإنْسِيَّةِ، إلّا أنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ وراءُ، وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ.
وفِعْلا الإنْزالِ مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأهُما النَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ شاذًّا: (بِما أُنْزِلَّ إلَيْكَ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ أسْكَنَ لامَ (أُنْزِلَ)، ثُمَّ حَذَفَ هَمْزَةَ (إلى) ونَقَلَ كَسْرَتَها إلى اللّامِ، فالتَقى المِثْلانِ فَأُدْغِمَ، وضَمِيرُ الفاعِلِ قِيلَ: اللَّهُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ فِيهِ التِفاتًا لِتَقَدُّمِ ”مِمّا رَزَقْناهم“ فَخَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولَوْ جَرى عَلى الأوَّلِ لَجاءَ: بِما أنْزَلْنا إلَيْكَ، وما أنْزَلْنا مِن قَبْلِكَ، وأتى سُبْحانَهُ بِصِلَةِ (ما) الأُولى فِعْلًا ماضِيًا، مَعَ أنَّ المُرادَ بِالمُنَزَّلِ جَمِيعُهُ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ، والسِّباقِ لَهُ مِن تَرَتُّبِ الهُدى والفَلاحِ الكامِلَيْنِ عَلَيْهِ، ولِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ ما أُنْزِلَ قَبْلُ، ولِاقْتِضاءِ (يُؤْمِنُونَ) المُنْبِئِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والجَمِيعُ لَمْ يَنْزِلْ وقْتَ تَنَزُّلِ الآيَةِ لِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ إنَّهُ تَغْلِيبٌ لِما وُجِدَ نُزُولُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ، فَهو مِن قَبِيلِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، والثّانِي تَشْبِيهُ جَمِيعِ المُنَزَّلِ بِشَيْءٍ نَزَلَ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، لِأنَّ بَعْضَهُ نَزَلَ وبَعْضَهُ سَيَنْزِلُ قَطْعًا، فَيَصِيرُ إنْزالُ مَجْمُوعِهِ مُشَبَّهًا بِإنْزالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَ، فَتُسْتَعارُ صِيغَةُ الماضِي مِن إنْزالِهِ لِإنْزالِ المَجْمُوعِ، هَذا ما حَقَّقَهُ مَن يُعْقَدُ عِنْدَ ذِكْرِهِمُ الخَناصِرُ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ كُبْرى، وأهْوَنُ مِنهُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي هُنا لِلْمُشاكَلَةِ لِوُقُوعِ غَيْرِ المُتَحَقِّقِ في صُحْبَةِ المُتَحَقِّقِ، وأهْوَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ المُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ الماضِي، ويَدُلُّ عَلى الإيمانِ بِالمُسْتَقْبَلِ بِدِلالَةِ النَّصِّ، وما قِيلَ مِن أنَّ الإيمانَ بِما سَيَنْزِلُ لَيْسَ بِواجِبٍ إلّا أنَّ حَمْلَهُ عَلى الجَمِيعِ أكْمَلُ، فَلِذا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، لا وجْهَ لَهُ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ يَلْزَمُ المُؤْمِنَ أنْ يُؤْمِنَ بِما نَزَلَ، وبِأنَّ كُلَّ ما سَيَنْزِلُ حَقٌّ، وإنْ لَمْ يَجِبْ تَفْصِيلُهُ وتَعْيِينُهُ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ أنَّ الإيمانَ إجْمالًا بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مُطْلَقًا فَرْضُ عَيْنٍ، وتَفْصِيلًا بِالقُرْآنِ المُتَعَبَّدِ بِتَفاصِيلِهِ فَرْضُ كِفايَةٍ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضَ عَيْنٍ أدّى إلى الحَرَجِ والمَشَقَّةِ، والدِّينُ يُسْرٌ لا عُسْرٌ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، حَتّى قالَ الدَّوانِيُّ: يَجِبُ عَلى الكِفايَةِ تَفْصِيلُ الدَّلائِلِ الأُصُولِيَّةِ بِحَيْثُ يُتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن إزالَةِ الشُّبَهِ، وإلْزامِ المُعانِدِينَ، وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، وذَكَرَ الفُقَهاءُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في كُلِّ حَدٍّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ويُسَمّى المَنصُوبَ لِلذَّبِّ، ويَحْرُمُ عَلى الإمامِ إخْلاؤُها مِن ذَلِكَ، كَما يَحْرُمُ إخْلاؤُها عَنِ العالِمِ بِالأحْكامِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها العامَّةُ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن شَخْصٍ كَذَلِكَ في كُلِّ إقْلِيمٍ، وقِيلَ: يَكْفِي وُجُودُهُ في جَمِيعِ البِلادِ المَعْمُورَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولَعَلَّ هَذا التَّنَزُّلَ لِنُزُولِ الأمْرِ، وقِلَّةِ عُلَماءِ الدِّينِ في الدُّنْيا، بِهَذا العَصْرِ.
أمْسَتْ يَبابًا وأمْسى أهْلُها احْتَمَلُوا أخْنى عَلَيْها الَّذِي أخْنى عَلى لُبَدِ

وإلى اللَّهِ تَعالى المُشْتَكى وإلَيْهِ المُلْتَجى
إلى اللَّهِ أشْكُو إنَّ في القَلْبِ حاجَةً ∗∗∗ تَمُرُّ بِها الأيّامُ وهي كَما هَيا

(والآخِرَةُ) تَأْنِيثُ الآخِرِ اسْمِ فاعِلٍ مِن أخَرَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى تَأخَّرَ وإنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، كَما أنَّ الآخَرَ بِفَتْحِ الخاءِ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنهُ، وهي صِفَةٌ في الأصْلِ كَما في الدّارِ الآخِرَةِ، ويُنْشِيءُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، ثُمَّ غَلَبَتْ كالدُّنْيا، والوَصْفُ الغالِبُ قَدْ يُوصَفُ بِهِ دُونَ الِاسْمِ الغالِبِ، فَلا يُقالُ: قَيْدٌ أدْهَمُ، لِلُزُومِ التَّكْرارِ في المَفْهُومِ، وهو وإنْ كانَ مِنَ الدُّهْمَةِ إلّا أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ مَن لا تَخْطُرُ بِبالِهِ أصْلًا، فافْهَمْ، وقَدْ تُضافُ الدّارُ لَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيْ دارُ الحَياةِ الآخِرَةِ، وقَدْ يُقابَلُ بِالأُولى، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى هُنا الدّارُ الآخِرَةُ أوِ النَّشْأةُ الآخِرَةُ، والجُمْهُورُ عَلى تَسْكِينِ لامِ التَّعْرِيفِ، وإقْرارِ الهَمْزَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَها لِلْقَطْعِ، ووَرْشٌ يَحْذِفُ، ويَنْقُلُ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، (والإيقانُ) التَّحَقُّقُ لِلشَّيْءِ كَسُكُونِهِ ووُضُوحِهِ، يُقالُ: يَقَنَ الماءُ إذا سَكَنَ وظَهَرَ ما تَحْتَهُ، وهو واليَقِينُ بِمَعْنًى خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقِينُ العِلْمُ وزَوالُ الشَّكِّ، يُقالُ مِنهُ: يَقِنْتُ بِالكَسْرِ يَقِينًا، وأيْقَنْتُ واسْتَيْقَنْتُ كُلُّها بِمَعْنًى، وذَهَبَ الواحِدِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ ما يَكُونُ عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ فَلا يُوصَفُ بِهِ البَدِيهِيُّ، ولا عِلْمُ اللَّهِ تَعالى.
وذَهَبَ الإمامُ النَّسَفِيُّ وبَعْضُ الأئِمَّةِ إلى أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وعَدَمُ وصْفِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبُهُ شاكًّا فِيهِ، سَواءٌ كانَ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ اليَقِينَ مِن صِفَةِ العِلْمِ فَوْقَ المَعْرِفَةِ، والدِّرايَةِ، وأخَواتِها، يُقالُ: عِلْمُ يَقِينٍ، ولا يُقالُ: مَعْرِفَةُ يَقِينٍ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ مَعَ ثَباتِ الحُكْمِ، وفي (الإحْياءِ)، والقَلْبُ إلَيْهِ يَمِيلُ، أنَّ اليَقِينَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ عَدَمُ الشَّكِّ فَيُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما لا شَكَّ فِيهِ، سَواءٌ حَصَلَ بِنَظَرٍ، أوْ حِسٍّ، أوْ غَرِيزَةِ عَقْلٍ، أوْ بِتَواتُرٍ، أوْ دَلِيلٍ، وهَذا لا يَتَفاوَتُ، الثّانِي وهو ما صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ والصُّوفِيَّةُ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو ما لا يُنْظَرُ فِيهِ إلى التَّجْوِيزِ، والشَّكِّ بَلْ إلى غَلَبَتِهِ عَلى القَلْبِ حَتّى يُقالَ: فُلانٌ ضَعِيفُ اليَقِينِ بِالمَوْتِ، وقَوِيُّ اليَقِينِ بِإثْباتِ الرِّزْقِ، فَكُلُّ ما غَلَبَ عَلى القَلْبِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ فَهو يَقِينٌ، وتَفاوُتُ هَذا ظاهِرٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوقِنُونَ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ، وهي مُبْدَلَةٌ مِنها، لِأنَّهُ مِن أيْقَنَ، وقَرَأ النُّمَيْرِيُّ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَدَلَ الواوِ، وشاعَ عِنْدَهم أنَّ الواوَ إذا ضُمَّتْ ضَمَّةً غَيْرَ عارِضَةٍ كَما فُصِّلَ في العَرَبِيَّةِ يَجُوزُ إبْدالُها هَمْزَةً كَما قِيلَ في وُجُوهٍ جَمْعِ وجْهٍ أجُوهٌ، فَلَعَلَّ الإبْدالَ هُنا لِمُجاوَرَتِها لِلْمَضْمُومِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، وقَدْ يُؤْخَذُ الجارُ بِظُلْمِ الجارِ، وغايَرَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الإيمانِ بِالمُنَزَّلِ والإيمانِ بِالآخِرَةِ، فَلَمْ يَقُلْ: وبِالآخِرَةِ هم يُؤْمِنُونَ، دَفْعًا لِكُلْفَةِ التَّكْرارِ أوْ لِكَثْرَةِ غَرائِبِ مُتَعَلِّقاتِ الآخِرَةِ، وما أُعِدَّ فِيها مِنَ الثَّوابِ، والعِقابِ، وتَفْصِيلِ أنْواعِ التَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، ونَشْأةِ أصْحابِهِما عَلى خِلافِ النَّشْأةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مَعَ إثْباتِ المَعادِ الجِسْمانِيِّ كَيْفَما كانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو أغْرَبُ مِنَ الإيمانِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، حَتّى أنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وخَلا عَنْ تَفاصِيلِهِ عَلى ما عِنْدَنا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَلَيْسَ في الأوَّلِ عَلى ما في شَرْحِ الطَّوالِعِ ذِكْرُ المَعادِ الجِسْمانِيِّ، وإنَّما ذُكِرَ في كُتُبِ حِزْقِيلَ وأشْعِياءَ، والمَذْكُورُ في الإنْجِيلِ إنَّما هو المَعادُ الرُّوحانِيُّ، فَناسَبَ أنَّ يَقْرِنَ هَذا الأمْرَ المُهِمَّ الغَرِيبَ الَّذِي حارَتْ عُقُولُ الكَثِيرِينَ في إثْباتِهِ، وتَهافَتُوا عَلى إنْكارِهِ تَهافُتَ الفَراشِ عَلى النّارِ بِالإيقانِ، وهو هو إظْهارًا لِكَمالِ المَدْحِ وإبْداءً لِغايَةِ الثَّناءِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إيقانَهم مَقْصُورٌ عَلى حَقِيقَةِ الآخِرَةِ لا يَتَعَدّاها إلى خِلافِ حَقِيقَتِها مِمّا يَزْعُمُهُ اليَهُودُ مَثَلًا، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ و﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وزَعَمُوا أنَّهم يَتَلَذَّذُونَ بِالنَّسِيمِ، والأرْواحِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ، وفي بَناءِ (يُوقِنُونَ) عَلى (هُمْ) إشارَةٌ إلى أنَّ اعْتِقادَ مُقابِلِيهِمْ في الآخِرَةِ جَهْلٌ مَحْضٌ وتَخْيِيلٌ فارِغٌ، ولَيْسُوا مِنَ اليَقِينِ في ظِلٍّ ولا فَيْءٍ.
   القرآن – تدبّر وعمل — شركة الخبرات الذكية


﴿الۤمۤ (١) ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ (٢) ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ١-٥]
* الوقفات التدبرية
١- ﴿الٓمٓ (١) ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾
إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ... ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء. [ابن كثير: ١/٣٦-٣٧]
السؤال: ما سبب ارتباط الحروف المقطعة بذكر عظمة القرآن وإعجازه؟
٢- ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾
لم يقل: هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني؛ لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين؛ فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومُبَيِّن للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم في دنياهم وأُخراهم. [السعدي: ٤٠]
السؤال: كيف يستدل بهذه الآية على شمول هداية القرآن لمصالح الدارين؟
٣- ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾
الإيمان بالغيب حظ القلب، وإقام الصلاة حظ البدن، ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾حظ المال، وهذا ظاهر . [القرطبي: ١/٢٧٤]
السؤال: جمعت الآية بين ثلاثة من مواضع التقوى، فما هي؟
٤- ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾
لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة؛ فإقامة الصلاة: إقامتها ظاهراًً بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطناًً بإقامة روحها؛ وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها. [السعدي: ٤١]
السؤال: لماذا عُبِّر عن فعل الصلاة بالإقامة؟
٥- ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾
وأتى بـ ﴿من﴾ الدالة على التبعيض؛ لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءاً يسيراً من أموالهم، غير ضار لهم، ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم ,وفي قوله: ﴿رزقناهم﴾ إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي خولكم، وأنعم به عليكم؛ فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم. [السعدي: ٤١]
السؤال: لماذا جيء بـ﴿من﴾ الدالة على التبعيض؟
٦- ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾
وجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب؛ لأن الإنسان لما كان لا يطلع على جميع رزقه كان رزقه غيبا، فاذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد بالأرزاق تمت خلافته، وعظم فيها سلطانه، وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول. [البقاعي: ١/٣٠]
السؤال: ما وجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب؟
٧- ﴿وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
واليقين أعلى درجات العلم؛ وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه. [ابن عطية: ١/٨٦]
السؤال: كلما عظم العلم بالآخرة عظم العمل لها, وضح ذلك من الآية.

* التوجيهات
١- من أسباب حصول الهداية بالقرآن تقوى الله تعالى، فقدم دائما مراد الله على هوى نفسك، ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾
٢- سعادتك بالفلاح، والفلاح لا يناله إلا من اتصف بهذه الصفات، ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾
٣- من أهم صفات المؤمنين: ثباتهم على إيمانهم في حال الغيب وحال الشهادة، ومراقبتهم لله على كل الأحوال، ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾

* العمل بالآيات
١- مبنى التقوى على مخالفة شرع الله لهوى نفسك اختباراًً لإيمانك، فحدد أمراًً في حياتك ترى أنك تقدِّم فيه هوى نفسك على شرع الله سبحانه وتراجع عنه مستغفراً ربك، ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾
٢- حاسب نفسك في أمر الصلاة، وتفقد اليوم جوانب التقصير فيها فكمله، وأقمه على الوجه المطلوب شرعاً، ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾
٣- اختبر إيمانك باليوم الآخر ويقينك به بالإنفاق اليوم من مال الله الذي آتاك، موقناً أن الله تعالى سيخلفه عليك في الدنيا والآخرة، ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾

* معاني الكلمات
﴿الم﴾ هَذَا الْقُرْآنُ مُؤَلَّفٌ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ الإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَنْ جَعَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَذَابِ اللهِ وِقَايَةً بِفِعْلِ الأَوَامِرِ وَتَرْكِ النَّوَاهِي.
 
زاد المسير — ابن الجوزي (٥٩٧ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العَرَبِ الَّذِي آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ، رَواهُ صالِحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: [الَّذِي أُنْزِلُ إلَيْهِ، القُرْآَنُ. وقالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: القُرْآَنُ ] وغَيْرُهُ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ.
***
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ والوَحْيَ، فَأمّا "الآَخِرَةُ" فَهي اسْمٌ لِما بَعْدَ الدُّنْيا، وسُمِّيَتْ آَخِرَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَقَدَّمَتْها. وقِيلَ: سُمِّيَتْ آَخِرَةٌ لِأنَّها نِهايَةُ الأمْرِ.

***
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوقِنُونَ﴾ اليَقِينُ: ما حَصَلَتْ بِهِ الثِّقَةُ، وثَلَجَ بِهِ الصَّدْرُ، وهو أبْلَغُ عِلْمٍ مُكْتَسَبٍ.
 
النكت والعيون — الماوردي (٤٥٠ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ وما بَعْدَها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي بِهِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وما تَقَدَّمَ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، بِخِلافِ ما فَعَلَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى، في إيمانِهِمْ بِبَعْضِها دُونَ جَمِيعِها.
﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: يَعْنِي الدّارَ الآخِرَةَ.
والثّانِي: يَعْنِي النَّشْأةَ الآخِرَةَ وفي تَسْمِيَتِها بِالدّارِ الآخِرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَأخُّرِها عَنِ الدّارِ الأُولى.
والثّانِي: لِتَأخُّرِها عَنِ الخَلْقِ، كَما سُمِّيَتِ الدُّنْيا لِدُنُوِّها مِنَ الخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ، فَسُمِّيَ العِلْمُ يَقِينًا لِوُقُوعِهِ عَنْ دَلِيلٍ صارَ بِهِ يَقِينًا
.
 
مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي (٦٠٦ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ ما كانَ مُؤْمِنًا بِهِما، ودَلالَةُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما دَخَلَ فِيهِ التَّخْصِيصُ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ الخاصِّ عَلى ذَلِكَ البَعْضِ، لِأنَّ العامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، والخاصَّ لا يَحْتَمِلُهُ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ فَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ لِأنَّ في هَذا التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ مَزِيدَ تَشْرِيفٍ لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ تَخْصِيصُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِهَذا التَّشْرِيفِ تَرْغِيبٌ لِأمْثالِهِ في الدِّينِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِّ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
(المَسْألَةُ الأُولى): لا نِزاعَ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الإيمانَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ فالمُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ، فَإذا قُلْنا: فُلانٌ آمَنَ بِكَذا، فالمُرادُ أنَّهُ صَدَّقَ بِهِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ صامَ وصَلّى، فالمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا التَّصْدِيقُ بِالِاتِّفاقِ، لَكِنْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ هَهُنا خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ، والمُصَدِّقُ مَعَ الشَّكِّ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا، فَهو إلى الذَّمِّ أقْرَبُ.
* * *
(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): المُرادُ مِن إنْزالِ الوَحْيِ وكَوْنِ القُرْآنِ مُنْزَلًا، ومُنَزَّلًا، ومَنزُولًا بِهِ - أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ في السَّماءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ عَلى الرَّسُولِ بِهِ، وهَذا كَما يُقالُ: نَزَلَتْ رِسالَةُ الأمِيرِ مِنَ القَصْرِ، والرِّسالَةُ لا تَنْزِلُ، لَكِنَّ المُسْتَمِعَ يَسْمَعُ الرِّسالَةَ مِن عُلُوٍّ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي في سُفْلٍ. وقَوْلُ الأمِيرِ لا يُفارِقُ ذاتَهُ، ولَكِنَّ السّامِعَ يَسْمَعُ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي بِلَفْظِ نَفْسِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَنْقُلُ الكَلامَ إذا سَمِعَ في مَوْضِعٍ وأدّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمِعَ جِبْرِيلُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وكَلامُهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ عِنْدَكم ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَمْعًا لِكَلامِهِ، ثُمَّ أقْدَرَهُ عَلى عِبارَةٍ يُعَبِّرُ بِها عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كِتابَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ، فَقَرَأهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفِظَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أصْواتًا مُقَطَّعَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ في جِسْمٍ مَخْصُوصٍ، فَيَتَلَقَّفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّهُ هو العِبارَةُ المُؤَدِّيَةُ لِمَعْنى ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ.
* * *
(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ هَذا الإيمانُ واجِبٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥] فَثَبَتَ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا الإيمانُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُفْلِحًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبٌ وجَبَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عِلْمًا وعَمَلًا إلّا إذا عَلِمَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ القِيامُ بِهِ، إلّا أنَّ تَحْصِيلَ هَذا العِلْمِ واجِبٌ عَلى سَبِيلِ الكِفايَةِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِالشَّرائِعِ النّازِلَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى العامَّةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ فالمُرادُ بِهِ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما تَعَبَّدَنا الآنَ بِهِ حَتّى يُلْزِمَنا مَعْرِفَتَهُ عَلى التَّفْصِيلِ، بَلْ إنْ عَرَفْنا شَيْئًا مِن تَفاصِيلِهِ فَهُناكَ يَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِتِلْكَ التَّفاصِيلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
(المَسْألَةُ الأُولى): الآخِرَةُ صِفَةُ الدّارِ الآخِرَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ لِلدُّنْيا دُنْيا لِأنَّها أدْنى مِنَ الآخِرَةِ.
(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): اليَقِينُ هو العِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبُهُ شاكًّا فِيهِ، فَلِذَلِكَ لا يَقُولُ القائِلُ: تَيَقَّنْتُ وُجُودَ نَفْسِي، وتَيَقَّنْتُ أنَّ السَّماءَ فَوْقِي، لِما أنَّ العِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَدْرَكٍ، ويُقالُ ذَلِكَ في العِلْمِ الحادِثِ بِالأُمُورِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، فَيَقُولُ القائِلُ: تَيَقَّنْتُ ما أرَدْتُهُ بِهَذا الكَلامِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ مُرادَهُ بِالِاضْطِرارِ، ويَقُولُ: تَيَقَّنْتُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ بِالِاكْتِسابِ؛ ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَتَيَقَّنُ الأشْياءَ.
(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَهم عَلى كَوْنِهِمْ مُتَيَقِّنِينَ بِالآخِرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُمْدَحُ المَرْءُ بِأنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ إلّا إذا تَيَقَّنَ وُجُودَ الآخِرَةِ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والسُّؤالِ وإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، والكافِرِينَ النّارَ. رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«يا عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ مِنَ الشّاكِّ في اللَّهِ وهو يَرى خَلْقَهُ، وعَجَبًا مِمَّنْ يَعْرِفُ النَّشْأةَ الأُولى ثُمَّ يُنْكِرُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، وعَجَبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ البَعْثَ والنُّشُورَ وهو في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ يَمُوتُ ويَحْيا - يَعْنِي النَّوْمَ واليَقَظَةَ - وعَجَبًا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالجَنَّةِ وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ ثُمَّ يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ، وعَجَبًا مِنَ المُتَكَبِّرِ الفَخُورِ وهو يَعْلَمُ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ» “ .
 
تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين (١٤٢١ هـ)


﴿الۤمۤ (١) ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ (٢) ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥) إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ سَوَاۤءٌ عَلَیۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ (٦) خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰۤ أَبۡصَـٰرِهِمۡ غِشَـٰوَةࣱۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ (٧) وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِینَ (٨) یُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَمَا یَخۡدَعُونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡ وَمَا یَشۡعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة ١-٩]
نبدأ أولًا في الفاتحة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١ – ٣] إلى آخره.
* أولًا: سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتُتح بها القرآن الكريم، وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة، وقيل: إن أول سورة نزلت كاملة (اقرأ)، وإن الله تعالى كمّلها، ثم جاءت السور، فالله أعلم.
هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن؛ في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك، ولهذا سميت أم القرآن، والأمّ هو المرجع، المرجع للشيء يسمى أُمًّا، وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها: أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
ومنها: أنها رقية، إذا قُرئ بها على المريض شفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذي قرأها على اللديغ قال له: « وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»(١).
وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة وصاروا يختمون بها الدعاء ويبتدئون بها الخطب أو الأحوال، وهذا غلط، تجد مثلا إذا دعا ثم دعا ثم دعا قال بعد ذلك: الفاتحة، إيش الفاتحة؟ من أين جاء بها؟ أو بعض الناس يبتدئ بها في خطبه أو في أحواله، وهذا أيضا غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع.
يقول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا حاجة إلى الكلام عن البسملة من حيث المعنى ولا من حيث الإعراب؛ لأنها تكررت علينا كثيرًا، لكن الكلام: هل البسملة آية من الفاتحة أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء:
فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءة البسملة لأنها من الفاتحة.
ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة، وهذا القول هو الحق، ودليل هذا: النص، وسياق السورة.
أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ؛ فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ - إِلَى آخِرِهِ - قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»(٢)، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة.
أما من حيث السياق: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق، وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهي الآية التي قال الله فيها: « قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»؛ لأن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ واحدة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، وكلها حق لله. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، يعني وسط الآن، وهي قسمان: قسم منها حق لله، وقسم حق للعبد. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ للعبد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للعبد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ للعبد.
ثم من جهة السياق من حيث اللفظ: لو قلنا: إن البسملة آية لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر، كم؟ على قدر آيتين، لزم أن تكون طويلة على قدر آيتين، شوف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، كم من سطر عندكم؟ سطرين. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ سطر عندي، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أقل من سطر، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كذلك، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كذلك، فكيف يكون هناك تناسب مع أن بعض الآيات أقل من السطر وهذه سطران، فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست منها، كما أنها - أي البسملة - ليست من بقية السور.
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحمد) وصف المحمود بالكمال الذاتي والوصفي والفعلي، فهو كامل في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، فهو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولا بد من هذا القيد؛ قال أهل العلم: لأن مجرد الوصف بالكمال بدون محبة ولا تعظيم لا يسمى حمدا، وإنما يسمى مدحا، ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح لكنه يريد أن ينال منه شيئا، تجد بعض الشعراء يقف أمام الخلفاء ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة، لا محبةً فيه ولكنْ محبةً في المال الذي يعطونه أو خوفًا منهم، لكن حمْدنا لربنا عز وجل محبة وتعظيم، فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنه وصف المحمود بالكمال، إيش؟ مع المحبة والتعظيم.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ الله عز وجل، هذا اللفظ علم على ربنا عز وجل لا يسمى به غيره، وهو علم تتبعه الأعلام الأخرى، أي تتبعه الأسماء، ولهذا دائما يأتي متبوعا، إلا في مواضع قليلة مثل قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] فإن هذه الكلمة تابعة لما قبلها، وهو قليل.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب هو ما اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير، فهو الخالق عز وجل، وهو المدبر لجميع الأمور، وهو المالك لكل شيء.
و﴿الْعَالَمِينَ﴾ قال العلماء: كل من سوى الله فهو من العالَم، ووُصفوا بذلك لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمن صفة للفظ الجلالة، والرحيم صفة أخرى، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن وصْفُه، والرحيم فِعْله، ولو أنه جيء بالرحيم وحده وبالرحمن وحده لشمل الوصف والفعل، لكن إذا اقترنا فُسِّر الرحمن بالوصف، والرحيم بالفعل ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد ذكر الربوبية دليل على أن ربوبيته تبارك وتعالى مبنية على الرحمة، الرحمة للخلق، الرحمة الواسعة الواصلة.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] مالك: صفة لرب، ويوم الدين: هو يوم القيامة، والدين هنا بمعنى إيش؟ الجزاء، بمعنى الجزاء، يعني أنه سبحانه وتعالى مالك لذلك اليوم الذي يجازَى فيه الخلائق، فلا مالك غيره في ذلك اليوم.
فإن قال قائل: أليس مالك الدين والدنيا؟ فالجواب: بلى، لكن ظهور ملكوته وملكه وسلطانه إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله تعالى ينادي ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]؟ فلا يجيب أحد فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]. في الدنيا يظهر الملوك، بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم، فالشيوعيون مثلا لا يرون أن هناك ربا للسماوات والأرض، يرون أنها حياة، أرحام تدفع وأرض تبلع، وأن ربهم هو رئيسهم، طيب، إذن خُص ملكه بيوم الدين لأنه يظهر فيه ملكوته وملكه. وفي قراءة سبعية ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾(٣) والملك أخص من المالك؛ لأن الملك هو ذو السلطة المطلقة، ولا يسمى ملك إلا مَن تحته رعية، أما مالك فهو ليس له سلطة مطلقة، ثم هو لا يحتاج إلى أن يكون تحته رعية، ولهذا تجد الفقير الصعلوك يملك بقرته، يملك شاته، لكن في الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهو أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي؛ لأن من الخلق من يكون ملكا ولكن ليس بمالك، يسمى ملكا اسما وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكا ولا يكون ملكا، كعامة الناس، لكن الرب عز وجل مالك ملك.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، نعبد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لو طلبنا إعراب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فبماذا تجيبون؟
* طالب: مفعول به مقدم.
* الشيخ: أنه مفعول به مقدم، ولماذا انفصل مع إمكان الوصل، يعني يمكن أن يقول: نعبدك، فنقول: لو وصلنا فات أمر مهم، ألا وهو الحصر، فهنا لما قدمناه للحصر لزم أن يُفصل، لو قلت: ك نعبد، ما يستقيم الكلام وليس بلغة عربية. ﴿إِيَّاكَ﴾ يعني لا سواك، ﴿نَعْبُدُ﴾ أي نتذلل له أكمل ذل، ولهذا تجد المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلّا لله عز وجل، يسجد على التراب، تمتلئ جبهته من التراب، يسجد على موطئ الأقدام،كل هذا ذلّا لله، ولو أن إنسانا قال: أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي، ما وافق المؤمن أبدا؛ لأن هذا الذل لله عز وجل، والعبادة تتضمن القيام بكل ما أمر الله به، وترْك كل ما نهى الله عنه؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد، لو لم يفعل الأمر، يعني لو لم يفعل المأمورَ به فهل يكون عابدا حقا؟ أبدا، ولو لم يترك المنهي عنه ما كان عبدا حقا، العبد الذي يوافق المعبود في مراده الشرعي، إذن فالعبادة تستلزم أن يقوم الإنسان بكل ما أُمر به، وأن يترك كل ما نُهي عنه، ولكن هل قيامك هذا يمكن أن يكون بغير معونة الله؟ لا، لا يمكن، ولهذا قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يعني لا نستعين إلا إياك على العبادة، والله سبحانه وتعالى يجمع بين العبادة والاستعانة أو التوكل في مواطن عدة من القرآن الكريم؛ لأنه لا قيام بالعبادة على الوجه الأكمل إلا بمعونة الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] ﴿الصِّرَاطَ﴾ فيها قراءتان: بالسين(٤) وبالصاد الخالصة؛ ﴿السِّرَاطَ﴾ و﴿الصِّرَاطَ﴾، والمراد بالصراط هنا: الطريق، والمراد بالهداية: هداية الإرشاد وهداية التوفيق، فأنت بقولك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تسأل الله تعالى علما وعملا، ولهذا جاءت متعدية بنفسها إلى المفعول لا بحرف (إلى) الدال على الغاية، عرفتم؟ فيشمل الهداية إلى الطريق، وهذا بالعلم، والهداية في الطريق، وهذا بالعمل والتوفيق.
وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي لا اعوجاج فيه، وهذا الصراط الذي لا اعوجاج فيه بيّن الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، ففي هذه الآية بيّن الله عز وجل أصناف الناس أنها ثلاثة: الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، وإيش؟ والضالون، فمن هؤلاء؟ الذين أنعم الله عليهم هم الذين علموا الحق وعملوا به، والذين غضب الله عليهم هم الذين علموا الحق ولم يعملوا به، والضالون هم الذين عملوا بغير علم، جاهلون، يريدون الحق ويريدون العبادة لكنهم جاهلون تعبّدوا لله بغير علم، انظر كيف قدم المغضوب عليهم على الضالين لأن مخالفتهم لطريق الذين أنعم الله عليهم أشد؛ لأنهم خالفوا عن علم، والمخالف عن علم أشد كبرا واستكبارا وعقوبة من الذين خالفوا عن غير علم، وكلتا الطائفتين ضالة، وذلك لأنهم ليسوا على هدى من الله.
وفي قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قراءتان كذلك (عليهم) ضم الهاء وكسرها أي ﴿صِرَاطَ الذَّيِنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قراءة سبعية(٥)، ولكن أكرر ما قلته سابقا أن القراءات التي ليست في المصحف لا ينبغي أن نقرأ بها عند العامة؛ لسببين بل لأسباب ثلاثة، السبب الأول: أن العامة إذا رأوا هذا القرآن العظيم الذي قد ملأ قلوبهم تعظيمُه، إذا رأوه مرة كذا ومرة كذا تنزل منزلته لا شك، تهبط عندهم؛ لأنهم عوام لا يفرقون، فينبغي أن يبقى القرآن الكريم محترما لا يُغيَّر فيه بشيء، ثانيا: أن القارئ يُتهم بأنه لا يعرف، العامي ما الذي يعلم؟! لو يأتي إنسان يقرأ عليه مثلا بقراءة غير التي في مصحفه لكان يهجم عليه وربما يضربه، ربما يطرده من المسجد، القرآن عند العامة محترم جدا، وهو عندنا والحمد لله، لكن إذا أتيت بما لا يعرف العامي فيا ويلك منه، وهذه مفسدة أن الناس يستهينونك ويقولون: هذا ما فيه خير، هذا ما يعرف ولا يقرأ، نعم، الآن لو تقرأ عند العامي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ﴾ نعم، قال: هذا ما يعرف يضم اسم (...) يقول عليهم، ليش ما قال ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالكسرة.
المفسدة الثالثة: أنك إذا قرأت عند العوام وأحسن العامي بك الظن، وقال هذا: إنه لم يقرأ إلا عن علم، ثم حاول أن يقلدك مرة أخرى فقد يخطئ، ثم يقرأ القرآن لا على قراءة المصحف، ولا على قراءة التالي الذي قرأها، وهذه مفسدة، ولهذا قال علِيّ: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله »(٦)؟
وقال ابن مسعود: إنك لم تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة(٧)،« عمر بن الخطاب مع هشام بن الحكم ماذا فعل به حين قرأ في سورة الفرقان بقراءة لم يسمعها عمر؟ نعم جبذه وتلّه وخاصمه، وأنكر قراءته، حتى وصلا إلى النبي ﷺ وقال: « اقْرَأْ». فقرأ، فقال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ». قال لعمر: « اقْرَأْ». فقرأ، قال: « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»(٨)؛ لأن القرآن في الأول نزل على سبعة أحرف، فإذا كان عمر رضي الله عنه فعل ما فعل بصحابي، فما بالك بعامي يسمعك تقرأ غير قراءتك، نعم؟ يا ويلك منه، والحمد لله، ما دام أن العلماء متفقون على أنه لا يجب أن يقرأ الإنسان بكل قراءة، وأنه لو اقتصر على واحدة من القراءات فلا بأس، هدأ الفتنة وأسبابها، والسورة فيها فوائد عظيمة، وقد شرحها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين شرحا لا تجده في غيره من الكتب، شرحا عظيما. الحمد لله رب العالمين.
* من فوائد الآية الكريمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إثبات الحمد لله عز وجل الكامل، وإثبات استحقاقه واختصاصه بذلك، أما الكامل فمن صيغة (أل) ﴿الْحَمْدُ﴾، وأما الاختصاص والاستحقاق فمن اللام ﴿لِلَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقديم وصف الله تعالى بالألوهية على وصفه بالربوبية، لم يقل: لرب العالمين، ولكنه قال: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا إما لأن (الله) هو الاسم العلم الخاص به والذي تتبعه جميع الأسماء، وإما أن يقال: لأن الألوهية قدمها الله عز وجل على ذكر ربوبيته سبحانه وتعالى؛ لأن الذين جاءت إليهم الرسل ينكرون الألوهية فقط.
* ومن فوائدها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وسبق لنا في التفسير أن المراد بالعالَم مَن سوى الله عز وجل، كل المخلوقات النامي وغير النامي، والعاقل وغير العاقل.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ * من فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين الكريمين: الرحمن والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي هي الوصف، والرحمة التي هي الفعل.
* ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كأن سائلًا يسأل: ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ وانتقام، أو ربوبية رحمة وإنعام؟ قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أو ﴿مَلِكِ﴾ : إثبات ملك الله عز وجل وملكوته ليوم الدين، وإنما خص ذلك لما ذكرناه في التفسير من أنه في ذلك اليوم تتلاشى جميع الملكيات والملوك أيضا.
* ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من فوائدها: إخلاص العبادة لله، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ووجه الإخلاص تقديم المعمول.
* ومن فوائدها أيضا: إخلاص الاستعانة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حيث قدم المفعول.
فإن قال قائل: كيف يقال: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] إثبات المعونة من غير الله عز وجل؟
قلنا: الاستعانة نوعان: استعانة تفويض، بمعنى أنك تعتمد على الله عز وجل وتتبرأ من حولك وقوتك، وهذا خاص بالله عز وجل، واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به، فهذه ليست عبادة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال؟ قلنا: لا، الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان قادرا عليها، وأما إذا لم يكن قادرا فإنه لا يجوز أن تستعين به، فلو أن أحدا من الناس استعان بقبر فإن هذا حرام، بل هو شرك؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئا، فكيف ينفعك؟! ولو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الولي الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده، فهذا أيضا شرك شركا أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعينك وهو هناك.
فإن قال قائل: وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة؟ قلنا: الأولى أن لا تفعل، فالإنسان مأمور أن يعين أخاه، لكن الغير لا ينبغي أن يستعين؛ لأن الاستعانة بغيره من باب السؤال المذموم، لكن أنت إذا رأيت أخاك قد احتاج إلى معونة فأنت مأمور بأن تعينه، ولكن لو استعنته فإنه ليس حراما، ليس حراما عليك، إنما هو ترك للأولى، إلا إذا علمت أن استعانتك به مما يسره وينشرح له صدره، فهنا إذا استعنته تكون محسنا إليه، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام« حين دخل بيته ووجد البرمة على النار فيها اللحم، فلما قُدِّم له الطعام قال: « أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، لكن هذا لحم تُصُدِّق به على بريرة، فقال: « هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ»(٩)، أرأيتم بريرة في هذه الحال هل سيكون هذا الأمر شاقا عليها؟ أبدا، بل ستُسَر به وتفرح، فأنت مثلا إذا استعنت بأخيك في حاجة من الحوائج وأنت تعلم أنه يُسَر بهذا ويفرح فإن استعانتك به تكون إحسانا إليه، لكن لو استعنت بشخص يرى أن استعانتك به أثقل عليه من جبل أحد، هل تستعينه؟ لا؛ لأن هذا فيه إحراج عليه، وفيه إذلال لك أيضا.
ومن فوائد قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لجوء الإنسان إلى الله عز وجل بعد استعانته على العبادة أن يهديه الصراط المستقيم؛ لأنه لا بد في العبادة من إخلاص يدل عليه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن استعانة لتقوى على العبادة؛ لقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن اتباع للشريعة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فصارت هذه الآيات الثلاث متضمنة للدين كله: عبادة، والثاني: استعانة، والثالث: اتباع؛ لأن الصراط المستقيم هو الشريعة التي جاءت بها الرسل، وبالنسبة لنا هي الشريعة التي جاء بها مَن؟ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعني هذا أن نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، حيث حُذف حرف الجر من ﴿اهْدِنَا﴾، يعني لم يقل: اهدنا إلى، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، والفائدة من ذلك لأجل أن يتضمن طلب الهداية التي هي دلالة العلم وهداية التوفيق؛ لأن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم وإرشاد، وهداية توفيق وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة، والله سبحانه وتعالى قد هدى كل أحد، الثانية فيها التوفيق للهدى واتباع الشريعة، وهذه قد يُحرَمها بعض الناس، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ٤١] ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾ يعنى بيّنّا لهم الحق ودللناهم عليه، ولكنهم لم يوفَّقوا له، فلهذا حُذفت (إلى) ليكون طلب الهداية في هذه الآية شاملا لهداية العلم والإرشاد وهداية التوفيق والاتباع.
* ومن فوائدها: أن الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج، فما كان موافقا للحق فهو مستقيم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وما كان مخالفا له فهو معوج.
ثم قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر التفصيل بعد الإجمال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأن التفصيل بعد الإجمال فيه فائدة؛ فإن النفس إذا جاءها الكلام مجملا تترقب وتتشوف لإيش؟ للتفصيل والبيان، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ثم فيه أيضا الفائدة الثانية، وهو بيان أن الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم.
* ومن فوائدها أيضا هي وما بعدها: انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم، وقسم آخر غضب الله عليهم، وقسم ضالون؛ فالذين أنعم الله عليهم سبق أنهم الذين علموا الحق واتبعوه، وأما المغضوب عليهم فهم الذين علموا الحق وخالفوه، وأما الضالون فهم الذين جهلوا الحق. وأسباب الضلال والخروج عن الصراط المستقيم إما الجهل أو العناد، فمن الذي سبب خروجهم العناد؟ هم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود، والآخرون الذين سبب خروجهم الجهل هم كل من لا يعلم الحق، وعلى رأسهم النصارى، وهذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة، أعني النصارى، أما بعد البعثة فقد علموا الحق، فصاروا هم واليهود سواء، كلهم مغضوب عليهم بل هم أشد؛ لأنهم يؤمنون بالنسخ، أعني النصارى، ولهذا يؤمنون بأن شريعة عيسى ناسخة لشريعة موسى، واليهود لا يؤمنون بذلك فهم على جادة باطلة، وأولئك تناقضوا فآمنوا بنسخ الشرائع في مَن؟ في عيسى بالنسبة لشريعة موسى، ولم يؤمنوا بنسخ الشرائع في شريعة محمد ﷺ بالنسبة لشريعة عيسى، فكانوا متناقضين، وكان طريقهم أخبث من طريق اليهود.
وعلى كل حال السورة هذه عظيمة، ولا يمكن لا لي ولا لغيري أن يحيط بمعانيها العظيمة، لكن هذا قطرة من بحر.
ثم قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١، ٢].
هذه تسمى سورة البقرة؛ لأنه ذُكرت فيها البقرة، واعلم أن التسمية تكون بأدنى ملابسة، ولذلك تجد بعض السور فيها كلام كثير عن موضوع معين ولا تسمى به السورة، وفيها كلام قليل تسمى به السورة، وتسمية السور منها ما هو توقيفي، ومنها ما هو اجتهادي، فقد سمّى النبي ﷺ، سمى سورة البقرة وآل عمران(١٠) وغيرهما كثيرا، وفي بعضها التسمية توقيفية.
أما البسملة فقد سبق الكلام عليها، وبيّنّنا أنها آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء كل سورة سوى (براءة).
قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (الم) هذه الكلمة مكونة من ثلاثة أحرف هجائية: ألف، ولام، وميم، فما معنى هذه الحروف التي تركبت منها هذه الكلمة؟ كثير من المفسرين يقول: الله أعلم بما أراد، وهذا لا شك أنه تأدُّب مع الله عز وجل، وإمساك عما لا يعلمه الإنسان. ومنهم من جعلها رموزا لأشياء معينة إما من أسماء الله أو غيرها من الحوادث، وهذا لم يَبْن ما قاله على علم، ومنهم من قال: إنها حروف هجائية ليس لها معنى، ولا نعلم لها معنى حسب مقتضى اللغة العربية، والقرآن الكريم نزل باللغة العربية، وعلى هذا فمن حقنا أن نقول: ليس لها معنى، بناء على أن القرآن عربي وأن مثل هذه الحروف المركبة ليس لها معنى، وهذا قول مجاهد رحمه الله، وهو إمام التابعين في التفسير، وهو القول الذي تقتضيه الأدلة، ولكن يبقى النظر لماذا جاء الله بها وهي ليس لها معنى حسب اللغة العربية؟ نقول: إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم أيها العرب لم يأت بجديد من كلامكم، بل أتى بما ترتبون منه كلامكم وتبنونه، أنتم كلامكم حروف: ألف، باء، تاء، ثاء، إلى آخره، هل القرآن جاء بشيء زائد؟ لا، ومع ذلك عجزتم أن تركبوا مثله، أعجزكم.
وقد ذكر الله تعالى إعجاز القرآن على أربعة أوجه: إعجاز بكل القرآن، وإعجاز بعشر سور منه، وإعجاز بسورة منه، وإعجاز بمثله، كلها تكررت في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين﴾ [الطور ٣٤]، وقد تحدى الله عز وجل الخلق على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بآية واحدة، كما تحداهم على أن يخلقوا أدنى مخلوقات الله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج ٧٣].
فالقول الراجح في هذه المسألة أعني الحروف الهجائية التي تُبتدأ بها بعض السور أنه ليس لها معنى، ولكن لها مغزى، وهو أن هذا القرآن الكريم لم يأت بجديد في الحروف التي جاء بها، بل هو جاء بالحروف التي تركّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، ولهذا تجد السور المبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي من بعدها ذكر القرآن أو شيء لا يكون إلا بوحي، فمثلا: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جاء بعدها ذكر القرآن، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ١ - ٣] لم يأت فيها ذكر القرآن، ولكن جاء بعدها ما لا يمكن إلا بوحي.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يجوز أن نجعل (الكتاب) خبر (ذا)، ويجوز أن نجعلها نعتا أو عطف بيان، فإن جعلناها خبر (ذا) صار قوله: (لا ريب فيه) جملة مستأنفة، وإن جعلناه بدلا أو عطف بيان صارت (لا ريب فيه) إيش؟ خبر اسم الإشارة، والكتاب المشار إليه هو القرآن، وسمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا ريب)، ما معنى الريب؟ الشك، هكذا فسره أكثر العلماء، أن الريب هو الشك، لكن شيخ الإسلام رحمه الله(١١) له رأي في مثل هذه الألفاظ المترادفة؛ يقول: لا يوجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لأخرى من كل وجه، لا بد أن يكون بينهما فرق، فالريب هنا ليس مطابقا للشك في إزائه من كل وجه؛ لأن الريب، يقول: شك مع قلق وارتياب، فهو إذن أخص من الشك، لكن لا مانع أن نفسر الكلمة بما هو قريب منها، لا سيما إذا كان المخاطَب لا يتصور الفرق.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا) نافية للجنس، فيشمل أدنى ريب، يعني ما فيه أدنى ريب.
وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ الهدى بمعنى الدلالة، القرآن نفسه لا يهدي هداية توفيق، لكنه يهدي هداية دلالة؛ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. في آية أخرى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاس﴾ [البقرة ١٨٥] فأي فرق بين هذا وهذا؟ نقول: أما كونه هدى للناس فهذا هو الأصل، أن القرآن يمكن أن يهتدي به كل أحد، وأما إضافة الهدى إلى المتقين فلأن المتقين هم الذين انتفعوا به فصار هدى لهم، ومَن المتقون؟ الذين قاموا بأوامر الله وتركوا نواهي الله.
في هذه الآية الكريمة بيان أن كلام الله عز وجل حروف، خلافا لمن قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس، ونحن نشرح ذلك: أصول الخلاف في هذا القرآن الكريم أو في كلام الله عمومًا:
أولا: من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وما يُنقل من كلامه أو يسمع فهو عبارة عنه وليس هو كلام الله، بل عبارة عنه، وهو مخلوق.
والثاني قال: إن الله تعالى لا يتكلم، وكلامه مخلوق كسائر مخلوقاته.
ومنهم من قال: إن الله يتكلم بحرف وصوت، وليس كلامه هو المعنى فقط، بل كلامه اللفظ والمعنى. وهذا الذي قبله مذهب المعتزلة والجهمية، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، ومذهبهم هو الحق؛ لأن الأدلة تدل عليه، قال الله تعالى في موسى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فلما كان بعيدا قال: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾؛ لأن النداء يكون للبعيد، ولما قرب يعني لما قربه الله قال: ﴿قَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، أي: بصوت ليس نداء، وفي الحديث الصحيح:« أَنَّ اللهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ(١٢) »، وهذا أمر لا يشك فيه إنسان، ولولا أن الخلاف وقع فيه ما كنا نتكلم فيه، لكن وقع ولا بد من بيان الحق، المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق من المخلوقات، أصوات يخلقها الله وحروف تكتب فهو كسائر المخلوقات، ولا شك أننا إذا قلنا بهذا أبطلنا الأمر والنهي؛ لأن الأمر يكون صوتا سُمع على هذا الوجه، قولوا: صوت سُمع على هذا الوجه، يعني كأنه صدى، أرأيت الآن الشمس والقمر والجبال مخلوقة على هذا الوجه، هم يقولون: هذا صوت خُلق على هذا الوجه، كصوت الرعد.
الأشعرية يقولون: الكلام معنى قائم بنفسه، لكن خلق أصواتا، فإذا قلنا: إن الأوامر والنواهي مخلوقة، بطل الأمر والنهي؛ لأن (قل) خلق الله كلمة على صورة (قل) ولا تفيد أمرا، ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] خلق الله تعالى حروفا على هذا الشكل فلا تفيد نهيا، ولهذا صدق من قال: إن القائلين بخلق القرآن سواء جعلوه عبارة عن كلام الله أو هو كلام الله، إنهم أبطلوا الأمر والنهي والشرائع كلها.

* * *

* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة ١ - ٧]
* الشيخ: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ قف.
* الطالب: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ربنا عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾، البسملة سبق لنا الكلام عليها فلا حاجة للإعادة، أما قوله: ﴿الم﴾ فإنها حروف هجائية، وسبق الكلام عليها إذن، ولا حاجة للمناقشة ولا للإعادة.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ صفة لـ(ذا) صار ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر. وإن جعلنا ﴿الْكِتَابُ﴾ خبرا؛ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، صارت الجملة استئنافية محلها النصب على الحال، يعني حال كونه منتفيا عنه الريبة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: لا شك، وتفسير الريب بالشك إنما هو للتقريب، ونفي الشك هنا الشك في ثبوته، يعني لا شك في ثبوته، وأنه من عند الله.
ثانيا: لا شك فيما تضمنه من الأخبار، فكل خبر في القرآن الكريم فإنه لا شك فيه عند كل مؤمن، بل هو حق ثابت. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ قيل: إنها خبر (لا) النافية، وقيل: إنه خبر مقدم لقوله: ﴿هُدًى﴾، ولكن الأولى أن يكون خبرا لـ(لا) النافية. وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تكون حالا من الكتاب يعني حال كونه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهو هدى للمتقين من الناحيتين: العلمية والعملية، أما العلمية فهي هداية الدلالة، فإن مصدر العلم هو هذا القرآن الكريم، هو الذي يهديك إلى الحق ويدلك عليه، ويهديك إلى الباطل ويبينه لك ويحذرك منه، أما الثاني فهو هداية العمل، فإن المتقين هم الذين اهتدوا به عملا.
وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسم فاعل، والفعل منه (اتقى)، ومعنى اتقى: اتخذ وقاية من عذاب الله، وهذا لا يكون إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وعلى هذا فأشمل الحدود في التقوى أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي فعل الأوامر واجتناب النواهي.
واعلم أن التقوى تُقرن تارة بالبر، كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، وتارة تُقرن بالإيمان، كما في هذه الآية: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وتارة تُذكر وحدها، فإن ذُكرت وحدها شملت الدين كله؛ لأن الدين كله وقاية من عذاب الله، وإن اقترنت بالبر صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي، فهي تفسَّر في كل سياق بحسبه.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، هذه من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، أي يقرّون به ويعترفون به، والمراد بالغيب هنا ما غاب عن الناس مما أخبر الله به ورسوله، سواء كان ذلك فيما يتعلق بصفات الله، أو فيما يتعلق بعباد الله فيما مضى، أو فيما يتعلق بعباد الله في المستقبل، يؤمنون به، فيؤمنون بالله عز وجل بأسمائه وصفاته، بألوهيته، ربوبيته، يؤمنون كذلك بما أخبر الله به من الأمم السابقين، يؤمنون بما أخبر الله به من المستقبل من علم الآخرة؛ لأن كل هذا داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، نعم هل يدخل في الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة؟ نعم؛ لأنهم عالم غيببي.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، أي: يأتون بها قائمة لا اعوجاج فيها، وذلك بالقيام بواجباتها واجتناب محظوراتها، وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل صلاة الفريضة والنافلة؛ لأنها هنا اسم جنس يشمل كل الصلاة.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ (مما رزقناهم) جار ومجرور متعلق بـ(ينفقون)، المعنى: مما أعطيناهم ينفقون، وأول ما يدخل في ذلك الزكاة، إنفاق الزكاة؛ فإنهم يقومون بها، وعلى هذا تكون الآية من جنس الآيات الأخرى التي فيها ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة ٥٥].
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم المتقون الذين اهتدوا بالقرآن. ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على طريق مستقيم من الله عز وجل، هداهم الله تعالى علما وهداهم الله عملا.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، هذا أيضا من صفاتهم.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الآية هنا معطوفة على ما سبق عطفَ صفات لا ذوات، والأصل في المعطوفات أن تكون ذواتًا، لكن هنا العطف عطف صفات؛ لأن الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وعطف الصفات بعضها على بعض أمر لا يُستغرب لا في القرآن ولا في لغة العرب، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥]، فهذا عطف صفات بعضها على بعض.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، وربما نقول: إنه أشمل من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [النساء ١١٣] فهو القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الكتب كالتوراة والإنجيل.
﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، وأتى بكلمة ﴿هُمْ﴾ للتوكيد، وإلا لو حُذفت وقيل: وبالآخرة يوقنون، استقام الكلام، لكن من أجل التوكيد أُتي بالضمير (هم)، وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، أي: يؤمنون إيمانا لا شك فيه ولا يتطرق إليه الاحتمال؛ لأن اليقين هو العلم القطعي، هذه من صفاتهم.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾، المشار إليه المتقون الذين يؤمنون بما سبق، ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ أي: على صراط من الله عز وجل، وقال: ﴿مِنْ رَبِّهِم﴾؛ لإفادة أن منة الله عليهم بهذا منة خاصة، فهي ربوبية خاصة لهم ليست الربوبية العامة.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، كرر ﴿أُولَئِكَ﴾؛ للتنويه بفضلهم وعلو مرتبتهم، وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يقول العلماء إن (هم) هنا ضمير فصل، وهو ضمير لا محل له من الإعراب؛ لأنه إنما أُتِي به للتوكيد، قالوا: وفوائده ثلاثة: الفائدة الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر الذي هو التخصيص، الثالثة: إفادة أن ما بعده خبر وليس صفة، ولهذا سمي ضمير فصل، يعني أن الفلاح محصور فيهم، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
نرجع إلى هذه الآيات نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها ما يدل على عدة فوائد، أولا: بيان أن هذا القرآن الكريم هو من الحروف التي يتكلم بها العرب؛ لقوله: ﴿الم﴾، كما بينّا ذلك واضحا في التفسير.
* ومن فوائد هذه الآيات: علو مرتبة القرآن؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إليه إشارة البعيد مع قربه، فإنه بين أيدينا إشارة إلى علو مرتبته، وهو واللهِ أعلى مراتب القول، إن خير الحديث كتاب الله، كما كان الرسول ﷺ يعلنه في كل جمعة يقول على المنبر: « إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ»(١٣).
* ومن فوائد هذه الآيات: أنه لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن، وأن القرآن ليس محلا للريبة، المعنى الأول لا يجوز لأحد أن يرتاب في هذا القرآن على تقدير أن النفي هنا بمعنى؟
* طالب: النهي.
* الشيخ: النهي، والثاني: أن هذا القرآن ليس محلا للريبة، على تقدير أن (لا) نافية، وقد بيننا لكم في التفسير أن قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيه﴾ فيها قولان للعلماء، القول الأول: أن النفي هنا بمعنى النهي، وأن المعنى: لا ترتابوا فيه. والقول الثاني: أن النفي هنا على بابه، والمعنى أن القرآن لا ريب فيه ولا إشكال فيه، واضح يا جماعة؟ إذن من الفوائد تحريم الارتياب في القرآن وبيان أنه ليس محلا للريبة.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن القرآن هدى للمتقين، وهو واضح في الآية ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويترتب على هذه الفائدة أنك إذا رأيت الله قد منّ عليك بفهم كتابه والعمل به، فاعلم أنك ممن؟ ممن يا جماعة؟ من المتقين؛ لأن الله قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإذا رأيت من نفسك أن الله من عليك بالعلم والعمل بكتابه فأبشر فإنك من المتقين.
ويتفرع أيضا على هذا فائدة أخرى: إذا رأيت الغفلة وعدم الانتفاع بالقرآن فاحذر؛ فإن هذا يدل على نقص تقواك؛ لأنه لو كانت تقواك كاملة لكان هذا القرآن هدى لك، ويتفرع على هذا أيضا: الحث على التقوى، وأنها سبب للاهتداء بالقرآن، وأنك كلما اتقيت الله ازددت انتفاعا بالقرآن واهتداء به.
* ومن فوائد الآيات: فضيلة الإيمان بالغيب، وإن شئت فقل: إن الإيمان حقيقة هو الإيمان بالغيب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأن الإيمان بالشهادة ما هو إيمان، الإيمان بالشهادة المحسوسة ليس إيمانا، أي نعم، والدليل: أن فرعون كان ينكر رب العالمين، ويقول لموسى: ما رب العالمين؟ ولما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وفي هذا من الذل ما فيه، كان بالأول يقتل بني إسرائيل إذا لم يوافقوه، والآن صار تبعا لهم، ما قال: آمنت بالله أو برب العالمين، آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فأتى باسم الموصول الدال على التفخيم والتعظيم، ثم بـ ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾؛ ليقول: أنا تابع لهم مؤمن بما يؤمنون به، وهذا غاية ما يكون من الذل، انتبهوا لهذه النقطة.
طيب، هل هذا الإيمان الذي جرى من فرعون في تلك الساعة هل هو إيمان نافع؟ لا، ولهذا قيل له: ﴿آلْآنَ﴾؟ ما فيه فائدة، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، وهذا حق.
الإيمان بالشيء الشاهد؛ تشوف هذا الباب تقول: هذا باب، أومن بأن هذا باب؟ نعم؟ هذا إيمان؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لو قلت: أنا أومن بأن حولي رجالا يطلبون العلم، هذا إيمان؟ هو إيمان؟
* الطلبة: ليس إيمانًا.
* الشيخ: أما حولي رجالا، صحيح ليس إيمانًا؛ لأنه مشاهد، أما يطلبون العلم، فهو إيمان؛ لأنه مبني على ظني فيما يريدون بطلب العلم، وهل هم حريصون أو يحضرون بالأبدان دون القلوب، أو ما أشبه ذلك، على كل حال اجعلوها إن شاء الله إيمانا، لا تجعلوها إيمانا بالغيب، اجعلوها إيمانا بالمحسوس.
من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الصلاة، وأنها أعلى أنواع الأعمال البدنية، ولهذا تأتى دائما بعد الإيمان؛ لقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
* ومن فوائدها: الحث على إقامة الصلاة، وأن الإنسان يأتي بها كاملة على الوجه الذي يرضي الرب عز وجل الذي فرضها على عباده، أما أن يصلي صلاة لا روح فيها، أو صلاة لا تجزئ رسميا أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس بمقيم للصلاة، أفهمتم؟ يعني ربما يجيء إنسان يصلي صلاة من أتقن ما يكون ظاهريا، فهذا باعتبار الرسم أقامها، قائم يقوم بخشوع في الرأس، في الركوع يطمئن، وفي السجود يطمئن، لكن قلبه في وادٍ، وجسمه في وادٍ، هل أقامها؟ لا، ما أقامها، هي قشر، قشر منتفخ لكن تطلع ما فيه لب؛ لعدم الخشوع، ولهذا تجد الناس كثيرا منهم يخرج من الصلاة لا يحس بنفسه أنه كره المنكر ولا كره الفحشاء، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، لكن لا يحس بذلك؛ لأنها قشور صلاة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على الخشوع في الصلاة؛ لأنه الآن أشد ما نجاهد عليه هو هذا، يعني قضية الرسم بأن الإنسان يأتي بالصلاة باطمئنان ظاهري هذا شيء سهل، لكن الكلام على اللب وهو الخشوع هذا أمر صعب، لكن حاول مرة بعد أخرى، كلما جذب الشيطان قلبك رده، وثِق أنه من حين ما تجذبه إلى الصلاة ترده إلى الصلاة سوف يرده، سوف يجد هناك تجاذب، لكن استمر، وإن شاء الله في النهاية يزول، طيب من إقامة الصلاة الطمأنينة فيها التي قد افتقدها بعض الناس، ولا سيما في الركنين ما بين الركوع والسجود، وما بين السجودين، هذان الركنان مظلومان عند بعض الناس، تجده يقول: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، إيش قلت؟ اطمأن؟ ما اطمأن، هذا لا صلاة له، لو يصلي إلى يوم الدين ما فيه صلاة؛ لأن «الرسول قال للرجل: « ثُمَّ ارْفَعْ - يعني من الركوع- حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»(١٤)، وفي لفظ « حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا»(١٥)، لا بد من الطمأنينة، وعلى كل حال لا حاجة إلى أن نأتي على الصلاة بجميع ما يُخل فيها بعض الناس؛ لأنها معروفة.
من فوائد هذه الآيات الكريمة: فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فضيلة إنفاق المال؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن صدقة الغاصب باطلة، من أين تؤخذ؟ ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به فلا تُقبل صدقته.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم البخل؛ لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هل أنت حصّلت المال بكسبك؟ لا، الذي أعطاك المال هو الله، ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: مما كسبوا، قال: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، وحتى ما كسبه الإنسان هو بتيسير الله، وكم من إنسان ضرب أبواب الرزق من كل جانب ولكن لم يوفق، إذن من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق، لكن هنا أطلق بل هنا أجمل المنفَق فيه؛ قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يعني بيّن المنفَق منه ولم يبيّن المنفَق فيه، نقول: نعم، لكنها بُيّنت في آيات كثيرة، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥] الجواب: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، أي شيء ينفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، كأنه قال: اسألوا عن ماذا تنفقون؟ نعم، اسألوا فيم تنفقون؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عن إيش؟ قولوا يا جماعة؟
* الطلبة: (...)
* الشيخ: وإيش ينفقون؟ ماذا ينفقون، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فبيّن ما ينفَق فيه؛ لأنه هو المهم، كثير من الناس ربما يخرج نصف ماله لكن في سبيل الطاغوت، والشيء النافع في سبيل الله، أي فيما يرضي الله عز وجل، لكن قد يقال: إن قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، قد يقول قائل: فيه إشارة إلى المنفَق منه، وهو أن يكون الإنفاق خيرا، على كل حال الآية هنا أجمل الله فيها الإنفاق: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فأجمل، فيقال: إن هذا المجمل مبين في نصوص أخرى من القرآن والسنة.
* * *
 * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة ٦ - ١٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾، هذه عطف على ما سبق في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، يعني ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ﴾، وقد سبق أن قلنا: إنه يجوز عطف الصفات بعضها على بعض كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]، مع أن الأصل في الصفات أن لا تكون معطوفة.
* من فوائد الآية: الثناء على الذين يؤمنون بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل من قبله، وأن هذا من خصال المتقين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
ومن فوائد الآية أيضا: الثناء على الموقنين بالآخرة، وقد سبق في التفسير أنه ليس المراد بالإيقان بالآخرة أن تؤمن بأن هناك يوما يُبعث الناس فيه، بل تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يقع في ذلك اليوم، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت(١٦).
ثم قال عز وجل: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذا أيضا بيان حالهم ومآلهم؛ أما حالهم فقال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على علم وبينة، ففيه دليل على سلامة هؤلاء في منهجهم، لقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضا: أن ربوبية الله عز وجل تكون خاصة وعامة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إضافته إلى هؤلاء فقط، لكنها ربوبية خاصة اقتضت العناية التامة بهم.
* ومن فوائدها أيضا: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الفلاح خاص بهم؛ لأن هذه الجملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تفيد الحصر.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾، هذا بيان للقسم الثاني من الناس؛ لأن هذه السورة ذكر الله أصناف الناس وأقسامهم، الأول: المؤمنون الخلّص، والثاني: الكفار الخلص في هذه الآية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كفروا بمن؟ كفروا بكل ما يجب الإيمان به؛ كفروا بالله، كفروا برسله، كفروا بملائكته، كفروا بكتبه، كفروا باليوم الآخر، كفروا بالقدر خيره وشره، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه عام بكل ما يجب الإيمان به، فإذا كفروا به فهؤلاء كفار.
طيب وإن كفروا ببعضه؟ فكذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]
وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، هذه جملة مسبوكة بمصدر دون أن يوجد حرف مصدري؛ لأن الجملة التي تُسبك في المصدر يعني تُحوَّل إلى مصدر لا بد أن تقترن بحرف مصدري، مثل: (أنّ) و(أنْ) و(ما) المصدرية و(لو) المصدرية، لكن هذه سُبكت بمصدر مع أنها ليس فيها شيء من أدوات المصدر، لكن إذا جاء السواء ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فهذه تُسبك بمصدر، فالتقدير: سواء عليهم إنذارك أم عدمه، والمراد بهؤلاء الكفار الذين حقت عليهم كلمة العذاب، فهؤلاء لا يؤمنون سواء أنذرهم أم لم ينذرهم؛ لأنه قد خُتم على قلوبهم ـ والعياذ بالله ـ وليس المراد بهذا أن لا يدعوهم الرسول عليه الصلاة والسلام، بل المراد أن يتسلى إذا لم يؤمنوا فيقال: هؤلاء قد طبع الله على قلوبهم فلا يؤمنون.
وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الإنذار هو الإعلام بتخويف وترهيب، ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذا القسم الثاني.
هذه (أم) هنا متصلة أو منقطعة؟
* طالب: متصلة.
* الشيخ: هذه متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين كما هنا، والمنقطعة التي تأتي بين شيئين منفصلين، هذا فرق معنوي، والفرق اللفظي: المتصلة يصح أن يحل محلها (أو)، والمنقطعة لا يصح أن يحل محلها (أو)، بل يحل محلها (بل)، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ الجملة هذه خبر ثاني، أين الخبر الأول؟ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذه هي الخبر الأول، وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُون﴾ الخبر الثاني.
في هذه الآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يرده الكفار ولا يقبلون دعوته.
وفيها أيضا: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد، قد خُتم على قلبه، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني هؤلاء لهم النار وانتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة ولا بالإقبال على الله فإن فيه شبها مِمن؟ من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم بمعنى الطبع، وأصله من الختم الذي هو الخاتم؛ لأنه عند انتهاء القول في الكتابة يُختم القول بالكتابة، يعني أنه انتهى الأمر، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم؛ وأيضا يشبه وعاء النفقة إذا خُتم عليه بالشمع الأحمر كما يقولون فإن أمره منتهٍ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، يعني: وختم على سمعهم، وإذا ختم على القلوب صارت لا تفقه، وعلى السمع صارت لا تسمع سماعا ينفع.
قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ هذه جملة مستأنفة، والغشاوة الغطاء، فإذا كان على الأبصار غشاوة صارت لا تبصر، فخُتمت الطرق الثلاثة للهدى، وهي: القلب، والثاني: السمع لما يقال، والثالث: البصر فيما يُرى، فالأبواب الثلاثة كلها سُدت، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ [الجاثية ٢٣] لا أحد.
فإن قال قائل: هذا الختم هل له سبب أو هو ابتلاء وامتحان من الله؟
فالجواب: أن له سببا بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥] فإذا رأيت أحدا قد ضل فاعلم أنه هو السبب في ضلال نفسه.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿وَلَهُمْ﴾ أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرهم لهم عذاب عظيم، وهو عذاب النار، وعظمه الله تعالى لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار، أعاذنا الله وإياكم منها بكرمه وجوده.
انتهى الكلام على الصنف الثاني من أصناف الخلق وهم الكفار الخلّص الصرحاء.
في هذه الآية الكريمة الأخيرة دليل على أن القلوب محل الوعي؛ لقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: فلا يصل إليها الخير.
وفيها أيضا من فوائدها: أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر؛ لأن الهدى قد يكون بالسمع وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال، وبالبصر فيما يشاهَد، وهكذا آيات الله عز وجل تكون مقروءة مسموعة، وتكون بيّنة مشهودة.
* ومن فوائد هذه الآية: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (مِن) هنا للتبعيض؛ وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحل محلها (بعض)، فهنا لو في غير القرآن لو قال: وبعض الناس يقول، لكان الكلام مستقيما، إذن (مِن) للتبعيض ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ (مَن) هذه مبتدأ مؤخر، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لكن يقول ذلك بلسانه، أما في قلبه فلا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، بمؤمنين في إيش؟
* الطلبة: (...)
* الشيخ: ما سمعت.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: طيب، وما هم بمؤمنين في قلوبهم، لكن بلسانهم يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾، بعد ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم﴾ [المنافقون ٤]، فهم يفتنون الناس برؤيتهم وبسماع أقوالهم، لكن لا خير فيهم، ومن أراد أن يعرف صفات المنافقين فعليه بكتاب مدارج السالكين ، ذكر ابن القيم رحمه الله جمع صفاتهم في مقال واحد، فمن أراد أن يراجعها فليراجع.
يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ذكر الإيمان بالله؛ لأنه هو المبتدى سبحانه وتعالى، يعني الذي ابتدأت منه الأمور، واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتهى، والإنسان إذا آمن بالله وباليوم الآخر استقام، ولهذا يقرن الله تعالى دائما بين الإيمان به واليوم الآخر دون الإيمان بالملائكة والكتب والرسل؛ لأن حقيقة الأمر أن من لم يؤمن باليوم الآخر فإنه لن يؤمن بالله؛ لأنه ماذا يحصّل؟ ماذا ينتظر؟ إذا كان لا يؤمن باليوم الآخر فلن يؤمن بالله.
قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هذا تكذيب لهم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، كقول الله تعالى مكذبا لهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون ١، ٢].
ثم قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٩]، وفي قراءة: ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ . ﴿يُخَادِعُونَ﴾ المخادعة: مُفَاعَلَة من الخداع، والخداع والمكر والكيد كلها معان متقاربة، ويشملها هذا التعريف: التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا الخداع وهذا المكر، يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون قالوا: غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأننا خدعنا محمدا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ خدعوا الله، ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها، حيث أظهروا خلاف ما يبطنون، وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق، لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك، فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سَلِمت أموالهم.
هذا الخداع وهذا المكر يتوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا هو الخداع، هؤلاء إذا قالوا إنهم مؤمنون، غنمنا الآن، يقولون: غنمنا؛ لأنا خدعنا محمدًا وأصحابه، ولكنهم في الحقيقة هل خدعوا الرسول وأصحابه؟ لا، خدعوا الله؟ ولهذا قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٩]، وعلى رأس الذين آمنوا رسول الله ﷺ. قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، يخدعون أنفسهم في الواقع؛ لأنهم غروها حيث أظهروا خلاف ما يبطنون وهم يعلمون أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حق؛ لكنهم لم يؤمنوا به، بل أنكروه فخدعوا أنفسهم بذلك. فإن قال قائل: ما وجه خداعهم لله والذين آمنوا؟ قلنا: وجه خداعهم أنهم إذا أظهروا الإيمان سلمت أموالهم ورقابهم من القتل، وصار لهم حرمة، فيقولون: خدعنا محمدًا وأصحابه، حيث قالوا إنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين، لكنهم بقولهم هذا نجوا من المعاملة كما يعامل الكفار.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي أنهم لا شعور لهم يتبين به أنهم خادعون لأنفسهم؛ لأن على أبصارهم غشاوة، وقلوبهم مختوم عليها وكذلك السمع.
* طالب: أحيانًا يعلَّق الفلاح والإيمان والتدبر على القلب في القرآن، وأحيانًا يربط ذلك بالعقل، ما العلاقة؟
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: ﴿مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة ٢٦٩].
* الشيخ: أي العقول؟ لكن المراد بالعقول هنا عقول الرشد لا عقول الإدراك.
* الطالب: والقلب يا شيخ؟
* الشيخ: والقلب هو محل العقل، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: نعم.
* طالب: امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فالناس في هذا طرفان ووسط، فبعض الناس يتابع الناس في كل شيء، يراقبهم، وبعضهم يقول: ما علي في الناس ما دمت أسير في الدرب الصحيح، ما هو الضابط في مراقبة الناس؟
* الشيخ: الضابط أن الإنسان مؤتمن على دينه، ولا يحمل الإنسان أن يراقب أحدا في دينه أبدًا، اللهم إلا إذا كان هناك شبهة قوية وأراد أن يتأكد، وإلا فلا يجب؛ لأن الأصل أن المسلم محترم، محترم في عرضه، محترم في ماله، محترم في نفسه.
* الطالب: لا، بعض الناس يا شيخ إذا قلت له: لا تفعل هكذا، كان الناس يظنون بك كذا وكذا، يقول: أنا ما على في الناس، خل الناس يقولون اللي يقولوه؟
* الشيخ: يعني هو قصده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟
* الطالب: لا، أي شيء حتى في المعاملات العادية.
* الشيخ: لا يمنع، الذي ينبغي للإنسان يكون مبتعدا عن هذا الأمر؛ لأن الرسول عليه ﷺ يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . »(١٧)
* الطالب: شيخ قول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠] ألا يؤيد يا شيخ قول من قال من العلماء أنه لا تُقبل من تكررت ردته لقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؟
* الشيخ: نعم، إن أخذ، لكن أحيانًا يمن الله على من يشاء من عباده، فتكرر الردة ويمن الله عليه بالإيمان الصادق، ونحن نقول: الذي تتكرر ردته لا بد أن يحتاط الإنسان له، ليس بمجرد أن يقول إنه آمن وأنه تاب يُرفع عنه القتل، بل ننظر، نعم.
* طالب: يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة٣] ما في دليل هنا على كفر تارك الصلاة؟
* الشيخ: إيش وجهه؟
* الطالب: وجهه أن الله عز وجل ذكر: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لفظ الآية الإيمان (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بعد ذلك ذكر ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؟
* الشيخ: الزكاة؟
* الطالب: نعم، لفظ الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ شرط (...).
* الشيخ: هذا ليس واضحا، عندي فيها أدلة غير هذا.
* طالب: غفر الله لكم، سؤال في التفسير الذي مضى، شيخ هل نثبت صفة التهكم لله بقول الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء ١٣٨]؟
* الشيخ: لا، إذا قلنا معنى بشر فيما يسوء جرت اللغة العربية أن المقصود بذلك التهكم بهم، فالرسول لو بشرهم بهذا ليس بشرهم بما يسرهم بل متهكما بهم.
* طالب: الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يذكر الاستفهام في القرآن على سبيل التهكم للكفار فهل يصح ذكر..؟
* الشيخ: مقتضى اللغة العربية أن يقال هذا الاستفهام للتهكم، فالله يتهكم بهم.
* طالب: (...)
* الشيخ: نعم، صيغة فعلية.
* طالب: أبو الحسن كان أشعريًّا أم معتزليًّا؟
* الشيخ: كان معتزليًّا، ثم بعد أربعين سنة من الاعتزال اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلّاب مؤسس مذهب الكلابية وأخذ منه بعض الشيء، وبقي على ذلك مدة ليست طويلة، ثم وفقه الله عز وجل إلى أن أخذ بقول الإمام أحمد رحمه الله.
* طالب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٣]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾
* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: النص على هذا الصنف من الناس وهم المنافقون، ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾
* ومن فوائدها: نفي الوصف على من لم يتحقق فيه من جانب؛ لأنهم يقولون إنهم مؤمنون، ولكن مؤمنون بالظاهر وليسوا مؤمنين بالباطن، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي باطنًا.
* ومن فوائدها: أن الاستسلام الظاهر إذا لم يكن مبنيًّا على عقيدة فإنه لغو لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.﴾
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قلب الحقائق وادعى ما لم يكن عليه من الأوصاف ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين، ولهذا جعل النبي ﷺ آية المنافق ثلاثًا، منها: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». »(١٨)
* ومن فوائد هذه الآية وما بعدها: أن المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، فيُستفاد من ذلك أن المخادعة من صفات المنافقين. فإن قال قائل: التورية فيها نوع مخادعة، فهل يكون المورّي متصفا بصفات المنافقين؛ لأنه أظهر خلاف ما يريد؟ فالجواب أن يقال: التورية إذا كان لها مقصود صحيح خرجت عن مشابهة المنافقين، وإذا لم يكن لها مقصود صحيح فإنه يُخشى أن يكون الإنسان مشابها للمنافقين، ولهذا حرم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التورية إلا لحاجة أو ضرورة(١٩)، ولكن أكثر العلماء يقولون: إن التورية من غير ظالم لا بأس بها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواز عطف غير الله على الله بحرف يقتضي المشاركة؛ لقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يقل: ثم الذين آمنوا، ووجه ذلك أن العلة واحدة، فمخادعتهم لله مخادعة للمؤمنين، ومخادعتهم للمؤمنين مخادعة لله عز وجل، بخلاف الأمور الكونية، فيجب أن تذكر ما سوى الله معطوفًا بـ(ثم)؛ لأن الأمور الكونية تتعلق بالربوبية، وما يتعلق بالربوبية فإنّ فعلَنا فيه تابع لفعل الله عز وجل، بخلاف الأمور الشرعية، ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، أو نسب الشيء إليه وإلى رسوله بالواو في آيات كثيرة، لكنها في أمور شرعية.
* ومن فوائد هذه الآية: أن من خادع الله والمؤمنين فإنما يخادع نفسه؛ لأنهم سوف يعاملونه بالظاهر، ويستمر على هذا الباطل، وهذه لا شك أنه خداع للنفس، حيث يظن أنه على صواب فيستمر في عمله فيخدع نفسه بذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين يخادعون الله والذين آمنوا، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم، لكن ليس عندهم شعور في أنفسهم، ولذلك استمروا على هذا، ولو شعروا أنهم يخدعون أنفسهم ما استمروا على ذلك.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ 
البسملة تقدم لنا الكلام عليها مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إن الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، كذا؟ يقدر فعلا متأخرا مناسبا، فإذا قلت: (باسم اللهِ) وأنت تريد أن تأكل كيف تقدر الفعل؟ باسم الله آكل، طيب، قلنا: إنه يجب أن يقدر أن يكون متعلقا بمحذوف، لماذا؟ لماذا لا نقول إنه غير متعلق؟ لأن الجار والمجرور لا بد له من متعلق يتعلق به،
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ  ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي

لأن الجار والمجرور معمول وبمنزلة المفعول به فلا بد له من عامل، لماذا قدرناه فعلا متأخرا؟
لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل.
والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركا به ومستعينا إلا باسم الله عز وجل، لماذا قدرناه فعلا؟ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو، الأصل في العمل الأفعال؛ ولذلك لا تعمل الأسماء إلا بشروط، اسم الفاعل يعمل عمل الفعل بشروط، المصدر يعمل عمل الفعل بشروط، اسم المفعول يعمل عمل الفعل بشروط، الفعل يعمل بشروط؟ لا؛ لأنه هو الأصل في العمل، ولهذا نقدره فعلًا، لماذا قدرناه خاصا؟ لأنه أدل على المقصود، أدل على المقصود ممكن أن نقدر: باسم الله أبتدئ، لكن تبتدئ أيش؟ ما ندري، تبتدئ أكل، تبتدئ شرب، تبتدئ وضوء، تبتدئ عمل، ما ندري، إذا قلت: باسم الله آكل وعينت الفعل صار أدل على المقصود؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»(٢٠) أو قال: «عَلَى اسْمِ اللَّهِ» فخص الفعل، إذن نقول: الجار والمجرور متعلق بمحذوف، كمِّل.
* طلبة: مناسب.
* الشيخ: متأخر..
* الطلبة: مناسب.
* الشيخ: فعل مناسب للمقام. أما ﴿اللَّهِ﴾ فهو علم على ذات الله سبحانه وتعالى، على الذات المقدسة لا يكون إلا له، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، بسم الله الرحمن الرحيم، تأتي تابعة له.
﴿الرَّحْمَن﴾ ذو الرحمة الواسعة، ولهذا جاء على صفة على وزن فعلان الذي يدل على الامتلاء والسعة.
﴿الرَّحِيم﴾ الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل، فهنا رحمة هي صفته هذه دل عليها ﴿الرَّحْمَن﴾، ورحمة هي فعله أي إيصال الرحمة إلى المرحوم دل عليها ﴿الرَّحِيم﴾.
الرحمن الرحيم اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر أو الحكم الدال عليه ذلك المعنى، ولَّا لا؟ إذن اجتمع في هذين الاسمين كل ما يجب أن يتعلق بالإيمان باسم الله؛ لأن الإيمان باسم الله لا بد أن يكون أن تؤمن بالاسم وأيش بعد؟ والصفة والأثر الذي هو الحكم المترتب على هذا، فنقول: الله رحمن ذو رحمة يرحم، كلها موجودة في القرآن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ كما ترون، ذو الرحمة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، يرحم: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. ﴿الرَّحْمَن﴾ اسم دال على الرحمة، وهي رحمة حقيقية دل عليها السمع والعقل، ما أدري كلام اللغة عربي ولَّا غير عربي؟
* الطلبة: عربي.
* الشيخ: عربي، دل عليه السمع والعقل، وأيش معنى السمع؟
* الطلبة: النص.. النصوص.
* الشيخ: النصوص الكتاب والسنة، العقل: النظر والاعتبار، دلالة السمع على رحمة الله كثيرة ما تحصى، دلالة النظر أن نقول: كم في العالم من نعمة؟ كم في العالم من نعمة؟ وأيش الجواب؟ لا تحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. كذا لا تحصى بأنواعها وأجناسها فضلا عن أفرادها، هذه النعم وأيش تدل عليه؟ تدل على أن المنعم راحم، تدل على أن المنعم راحم، ولولا الرحمة ما حصلت النعمة، وكم في العالم من اندفاع نقمة، أليس كذلك؟ بماذا؟
من آثار الرحمة، لولا الرحمة ما اندفعت النقمة، ومن عجب أن قوما يدعون العقل يقولون: إن الرحمة لا يدل عليها العقل، بل العقل يدل على خلافها، أعوذ بالله، لأيش؟ قال: لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة، وهذا لا يليق بالله عز وجل، شوف الشيطان، لا يليق، صحيح لا يليق؟ نقول: الرحمة بهذا المعنى من هي رحمته؟
* طالب: الإنسان.
* الشيخ: رحمة المخلوق، لكن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، ثم إننا نمنع أن تكون الرحمة كما زعمتم حتى في المخلوق، يأتي ملك تام السلطان لا يخشى أحدا إلا الله ويرحم هذا الفقير، هل نقول: رحمته هذه تنافي ما عنده من السلطان والعظمة اللائقة به؟ أبدا ما تنافي، ولا يقال: والله هذا ملك مهين، إنه يرحم الفقراء، ويرحم الضعفاء، لا، بل يعد هذا من كماله، ثم نقول لهم: العقل دل عليه، العقل دل عليه، نمنع قولكم إن العقل لا يدل، ونقول: إن العقل دل عليه، لو تسأل عامي في السوق بعد أن نزل المطر في الليل وخرج الناس يمشون في المطر ونقع المطر وهواء المطر والرطوبة، تلقي عامي تقول: ما شاء الله نزل البارحة مطر، إي وقال: الله، الحمد لله، رحمة الله واسعة، رحمة الله واسعة، وأيش عرفنا إن هذا المطر منين؟ من الرحمة، لكن يقولون: الإرادة ثبتت بالعقل، إرادة الله ثبتت بالعقل، طيب بماذا؟
قالوا: ثبتت بالتخصيص، إنه خص هذا، اجعل هذا سماء، واجعل هذه أرض، وهذه بقرة، وهذه شاة، وهذه بعير، وهذا حمار إلى آخره، الذي خصص هذا من هذا هو الإرادة، إذن فيه إرادة لله دل عليها التخصيص، اسأل طالب علم ما هو عامي؟ قل: كيف تستدل بالعقل على الإرادة على إرادة الله وأيش بيقول لك؟ ما يستطيع، ربما يستطيع يقول: أستدل على إرادة الله، ها الكون هذا كله بإرادة الله، لكن ما يقول كلمة تخصيص ولا يدل على الإرادة، كذا ولَّا لا؟
ومع ذلك الرحمة ما دل عليها العقل عندهم، والإرادة دل عليها العقل، ونحن نقول: إن الإرادة والرحمة كلتاهما دل عليها العقل ولا شك في هذا.
البسملة ذكرنا فيما سبق أنها آية من القرآن لا شك، مستقلة، لا تابعة لا للتي قبلها ولا للتي بعدها، مستقلة، لكن يؤتى بها لابتداء السورة، يؤتى بها لابتداء السورة، كل سورة تبتدئ بالبسملة إلا واحدة من السور وهي براءة، فإنه لم يثبت عند الصحابة أن الرسول ﷺ ابتدأها بالبسملة؛ ولذلك جعلوا فاصلا بينها وبين الأنفال ولم يجعلوا بسملة؛ لأنهم ترددوا هل هي من بقية الأنفال أو هي مستقلة، فقالوا: نجعل الفاصل ولا نجعل البسملة، إنما البسملة آية مستقلة تبتدئ بها كل سورة حتى الفاتحة وهي أول السور تبتدئ بها، وهل هي من السورة؟ قلنا: لا، وعلى هذا فما يوجد في المصحف الآن المرقم في الفاتحة خاصة فيها رقم واحد على أنها أول آية من الفاتحة هو قول مرجوح، والراجح أنها ليست آية من الفاتحة، وقد مر علينا بيان رجحان هذا القول.
* طالب: شيخ، ندعو الله أن ينصرنا على الكافرين ونحن ما نستطيع أن نقاتلهم ولكن ندعو الله ولا نقاتلهم إما أن يقوينا فنقاتلهم أو ينصرنا عليهم؟
* الشيخ: إي نعم، هو يسأل، يقول: نحن ندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، واحنا ما عندنا سلاح نقاوم به، نقول: النصرة على القوم الكافرين بأن يهيئ الله لنا أسلحة نقاومهم بها، أو يدمر أسلحتهم، تدمير أسلحتهم نصر لنا ولَّا لا.
* طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] خلاف العلماء في كون البسملة آية أو غير آية، ألا يؤدي ذلك إلى حذف البسملة؟
* الشيخ: لا لا، أعوذ بالله! هل حذفت من المصحف؟ حفظت.
* طالب: (...)
* الشيخ: لا لا نقول: آية بالاتفاق أنها آية، لكن هل هي من السورة اللي بعدها أو لأ، الخلاف في العدد.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران ١ - ٤]
* الشيخ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تبع للي قبلها.
* طالب: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران٣، ٤].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم الكلام على البسملة إعرابا ومعنى ومحلًا، وتقدم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتدئت بها السور.
الحروف الهجائية التي ابتدأ الله بها بعض السور قيل: إنها رموز وإشارات إلى أشياء، وعينها بعض المفسرين، وقيل: إنها حروف لا ندري ما معناها، فالله أعلم بما أراد بها، وقيل: بل هي حروف هجائية ليس لها معنى، وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن هذا القرآن نزل باللسان العربي المبين، واللسان العربي لا يعطي هذه الحروف الهجائية معنى، وإذا كان لا يعطيها معنى فبمقتضى نزوله به أن لا يكون لها معنى، لكن قال بعض حذاق العلماء: إن لها مغزى؛ أي هذه الحروف لها مغزى وهو: أن هذا القرآن الذي أعجز فصحاء البلاغة العرب العرباء إنما كان بالحروف التي هم يعرفونها، ويركبون كلامهم منها ومع ذلك أعجزهم، يعني لو جاء بلسان غير عربي لقالوا: نعجز عنه، لكن جاء باللسان العربي الذي يُكَوِّنون كلامهم بالحروف التي كان بها هذا القرآن، قال: ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، وهذا ما قاله الزمخشري وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم.
وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، فالله مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، لكن هذه الجملة جملة أيضًا، لكنها تسمى عند النحويين جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والكبرى: مجموع المبتدأ والخبر.
وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبران آخران. ﴿الْحَيُّ﴾ خبر ل﴿اللَّهُ﴾ ثان، و﴿الْقَيُّومُ﴾ خبر ثالث.
فقوله: ﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، علم على الرب عز وجل، وأصله الإله بمعنى المألوه، وحذفت الهمزة تخفيفا كما حذفت الهمزة من خير وشر في مثل قول الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا»(٢١) أي أخيرها وأشرها، وكما حذفت الهمزة أيضًا من: الناس، وأصلها: أناس.
﴿اللَّهُ﴾ علم على الذات المقدسة، وهو أعلم المعارف على الإطلاق، هو أعلم المعارف على الإطلاق، ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فعال بمعنى مفعول، كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، فإله اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة ولكنها آلهة وضعت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف ٤٠].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣].
وبهذا التقدير للخبر في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يزول الإشكال، وهو أنه كيف ينفى الإله في مثل هذه الجملة ويثبت في مثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؟
والجمع: أن تلك الآلهة أيش؟ باطلة، وأما الإله في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو إله حق ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
وقوله: ﴿هو﴾ هذا ضمير وليس اسمًا، بدليل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩] هذا علم ولَّا ضمير؟
* الطلبة: علم.
* الشيخ: علم، وبدليل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] وأنا هنا ضمير، فعلى هذا نقول: أنا وهو في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل ٢] وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كلاهما ضمير رفع منفصل، كلاهما ضمير رفع منفصل، فكما أن الذاكر لا يقول: لا إله إلا أنا، أو كما أن الذاكر لا يجعل أنا اسما لله فلا يجوز أن يجعل هو اسما لله، وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ: هو هو، ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل.
وقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ أل هنا للاستغراق؛ أي الكامل الحياة، وحياة الله عز وجل كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له، حياته لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، هي أيضًا كاملة حال وجودها، لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه، وعلمه، وقدرته، وجميع صفاته.
إذا رأينا الآدمي، بل إذا رأينا غير الله عز وجل وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا، فحياته مسبوقة بماذا؟ بعدم، ملحوقة بزوال وفناء، هي أيضًا ناقصة في وجودها، هل هو كامل السمع؟ الحي ليس كامل السمع، ولا البصر، ولا العلم، ولا القدرة، كل حي فهو ناقص، إذن حياته ناقصة في الوجود والزمن، ففي الزمن مسبوقة بعدم وملحوقة بزوال، وفي الوجود ناقصة في جميع الصفات. وقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فيعول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه، وفي الجمع بين الاسمين الكريمين: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في الجمع بينهما استغراق لجميع ما يوصف الله به لجميع الكمالات، ففي ﴿الْحَيّ﴾ كمال الصفات، وفي ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وفيهما جميعا كمال الذات. ﴿الْحَيُّ﴾ كمال الصفات، ﴿الْقَيُّومُ﴾ كمال الأفعال، وباجتماعهما كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ١ - ٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وبينا أن القول الراجح في ﴿ألم﴾ وأخواتها.
* طالب: ما اختاروا (...) أنها -الحروف المقطعة- لا معنى لها؟
* الشيخ: لا، هو ما قال لا معنى لها.
* طالب: ألا تدل على المغزى أن هذا القرآن الذي يعجزكم أنه مكون من هذه الحروف لذلك كلما ذكر الحروف يذكر بعدها شيء من القرآن من ذكره أو (...)؟
* الشيخ: طيب.
* الطالب: قلنا إن القرآن نزل باللغة العربية.
* الشيخ: لا لا.
* طالب: هي لا معنى لها بذاتها، ولكن لها مغزى.
* الشيخ: ولكن لها مغزى، طيب. ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في ذاتها؟
* طالب: الدليل أنها دائمًا يعقبها في القرآن..
* الشيخ: الدليل على أنه ليس لها معنى؟
* طالب: أن القرآن بلسان عربي مبين، وهذه الحروف بلسان عربي مبين ليس لها معنى.
* الشيخ: صح، الدليل أن القرآن نزل باللسان العربي المبين وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية في ذاتها، إذن ليس لها معنى. طيب ما الدليل على أن لها مغزى؟
* طالب: هذه الحروف يعقبها القرآن.
* الشيخ: ذكر القرآن والتحدث عنه.
* الطالب: ثاني شيء: يعني إن هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتتحدثون بها يعني القرآن الكريم مركب منها.
* الشيخ: كان منها أحسن من كلمة مركب كان منها. قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ ما معناها؟
* طالب: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: لا معبود بحق؟ لا معبود حق إلا الله. لماذا لا نقول: إن النفي مسلط على ما بعد إلا؟ يعني لا إله إلا الله، ما يوجد إله إلا الله؟
* طالب: لأنه توجد آلهة لكن هي باطلة، يعني نحصرها بحق.
* الشيخ: أحسنت، نعم، نقول: لا يمكن أن ننفي الألوهية مطلقا؛ لأن غير الله قد يسمى إلها.
ما هو الدليل على إطلاق الإله على غير الله؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم ٨١].
* الشيخ: نعم، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٣٩]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١].
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا أنهما يشتملان على اسم الله الأعظم، فلماذا؟
* طالب: لأن لها معنيان: المعنى الزمني لم يسبقه العدم.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنهما اسمان يتضمنان الصفات الفعلية والذاتية.
* الشيخ: صح، الكمال الذاتي والفعلي، ففي ﴿الْحَيُّ﴾ الكمال الذاتي، و﴿الْقَيُّومُ﴾ الكمال الفعلي؛ لذلك كانا متضمنين لجميع الكمال، الذاتي والفعلي. ﴿الْحَيُّ﴾ تفسيره؟
* طالب: الحي الذي لا يموت ولا..
* الشيخ: يعني ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق؟
* الطالب: بعدم.
* الشيخ: ولا يَلحقها؟
* الطالب: زوال.
* الشيخ: زوال. ﴿الْقَيُّومُ﴾؟
* طالب: هو القائم بنفسه، والقائم على..
* الشيخ: على غيره، القائم بنفسه والقائم على غيره. الدليل على قيامه بنفسه؟
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إلى أحد.
* الشيخ: نعم
* طالب: أما الدليل أن كل ما سواه..
* الشيخ: إذن وصف الغنى مثل و﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن ٦] هذا قيامه بنفسه، قيامه على غيره ما هو الدليل؟
* طالب: أن العباد كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ما هو الدليل؟ ما هو التعليل؟
* الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥].
* الشيخ: وغيره، فيه آية صريحة في الموضوع؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣]
* الشيخ: صحيح، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يعني كمن لا يقوم بنفسه. تصريف القيوم في اللغة العربية؟ تصريف القيوم في اللغة العربية كيف هو؟
* طالب: على وزن فيعول.
* الشيخ: على وزن فيعول، وماذا تدل عليه هذه الصيغة؟
* طالب: تدل على (...) سبحانه وتعالى.
* الشيخ: لا، هذه الصيغة؛ لأن أصلها قائم حولت إلى قيوم، فحول فاعل إلى فيعول؟
* طالب: يقوم على غيره ويقوم بنفسه.
* طالب آخر: تدل على الكثرة والمبالغة.
* الشيخ: المبالغة، صح.
* * *
قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ٣] ﴿نَزَّلَ﴾ التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان ٣٢].
يعني نزلناه ليس جملة واحدة، فقوله: ﴿نزل﴾ يفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل أيش؟ بالتدريج ليس مرة واحدة، وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول ﷺ؛ ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه.
وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هو هذا القرآن، وهو فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مكتوب، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة ٧٧، ٧٨] اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا.

(١) متفق عليه، البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) أخرجه مسلم (٣٩٥) (٣٨).
(٣) وهي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧).
(٤) وهي قراءة قنبل عن ابن كثير، والباقون بالصاد الخالصة. راجع التيسير في القراءات السبع (ص٢٧).
(٥) قراءة حمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها. انظر التيسير (ص٢٧).
(٦) أخرجه البخاري (١٢٧).
(٧) أخرجه مسلم في المقدمة (٥).
(٨) متفق عليه. البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨ / ٢٧١) من حديث عمر بن الخطاب.
(٩) متفق عليه، البخاري (٥٢٧٩)، ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.
(١٠) أخرج مسلم في صحيحه (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران».
(١١) انظر مجموع الفتاوى (٢٠ / ٤٢٣).
(١٢) متفق عليه، البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.
(١٣) أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.
(١٤) متفق عليه، البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.
(١٥) أخرجه ابن ماجه (١٠٦٠)، وأحمد (١٨٩٩٧).
(١٦)  العقيدة الواسطية (ص٩٣).
(١٧) أخرجه البخاري (٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود البدري.
(١٨) متفق عليه، أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩/١٠٧) من حديث أبي هريرة.
(١٩) انظر: أعلام الموقعين لابن القيم (٣/٢٣٤) ط. دار الجيل.
(٢٠) متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥) ومسلم (١٩٦٠ / ١)، من حديث جندب بن سفيان.
(٢١) أخرجه مسلم (٤٤٠ / ١٣٢)، من حديث أبي هريرة.
 
تفسير الجلالين — المحلّي والسيوطي (٨٦٤، ٩١١ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْك﴾ أيْ القُرْآن ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلك﴾ أيْ التَّوْراة والإنْجِيل وغَيْرهما ﴿وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يَعْلَمُونَ
نظم الدرر — البقاعي (٨٨٥ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
ولَمّا وصَفَهم بِالإيمانِ جُمْلَةً أشارَ إلى بَعْضِ تَفْصِيلِهِ عَلى وجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ يُوجِدُونَ هَذا الوَصْفَ بَعْدَ سَماعِهِمْ لِلدَّعْوَةِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ سَواءٌ كانَ قَدْ وُجِدَ أوْ سَيُوجَدُ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ عَلى الأنْبِياءِ الماضِينَ، ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالبَعْثِ مِنَ الدِّينِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ جِدًّا بَيَّنَهُ بِالتَّقْدِيمِ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿وبِالآخِرَةِ﴾ أيِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ ومَحَلُّ التَّجَلِّي وكَشْفِ الغِطاءِ ونَتِيجَةِ الأمْرِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: الآخِرَةُ مَعادُ الأمْرِ بَعْدَ تَمامِهِ عَلى أوَّلِيَّتِهِ. انْتَهى.
ولِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاهْتِمامِ عَبَّرَ بِالإيقانِ وأتى بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ قائِدٌ إلى كُلِّ خَيْرٍ، وذائِدٌ عَنْ كُلِّ ضَيْرِ، والإيقانُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ -: صَفاءُ العِلْمِ وسَلامَتُهُ مِن شَوائِبِ الرَّيْبِ ونَحْوِهِ، مِن يَقَنِ الماءِ وهو ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فانْحَدَرَ إلى كَهْفِ جَبَلٍ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِن قَرارٍ ولا وارِدٍ. انْتَهى. فَهو يَكُونُ بَعْدَ شَكٍّ ولِذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ. والوَصْفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ كَما تَرى إشارَةٌ إلى أُمَّهاتِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، فالإيمانُ أساسُ الأمْرِ، والصَّلاةُ مُشارٌ بِها إلى التَّحَلِّي بِكُلِّ خَيْرٍ والتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ شَرٍّ،
﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وكِلاهُما مِن أعْمالِ البَدَنِ، والنَّفَقَةُ عَمَلٌ مالِيٌّ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ حَصْرُ الفِعْلِ والتَّرْكِ الضّابِطَيْنِ لِجَمِيعِ الأعْمالِ كَيْفَ ما تَشَعَّبَتْ، وصَرَّحَ بِالفِعْلِ وأوْمى إلى التَّرْكِ إيماءً لا يَفْهَمُهُ إلّا البُصَراءُ تَسْهِيلًا عَلى السّالِكِينَ، لِأنَّ الفِعْلَ مِن حَيْثُ هو - ولَوْ كانَ صَعْبًا - أيْسَرُ عَلى النَّفْسِ مِنَ الكَفِّ عَمّا تَشْتَهِي. وفي وصْفِهِمْ أيْضًا بِالإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى مَن قَبْلَهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّبْكِيتِ لِمَن سِواهم ما سَتَراهُ في الآياتِ الآتِيَةِ.





نظم الدرر — البقاعي (٨٨٥ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
ولَمّا وصَفَهم بِالإيمانِ جُمْلَةً أشارَ إلى بَعْضِ تَفْصِيلِهِ عَلى وجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ يُوجِدُونَ هَذا الوَصْفَ بَعْدَ سَماعِهِمْ لِلدَّعْوَةِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ سَواءٌ كانَ قَدْ وُجِدَ أوْ سَيُوجَدُ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ عَلى الأنْبِياءِ الماضِينَ، ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالبَعْثِ مِنَ الدِّينِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ جِدًّا بَيَّنَهُ بِالتَّقْدِيمِ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿وبِالآخِرَةِ﴾ أيِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ ومَحَلُّ التَّجَلِّي وكَشْفِ الغِطاءِ ونَتِيجَةِ الأمْرِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: الآخِرَةُ مَعادُ الأمْرِ بَعْدَ تَمامِهِ عَلى أوَّلِيَّتِهِ. انْتَهى.
ولِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاهْتِمامِ عَبَّرَ بِالإيقانِ وأتى بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ قائِدٌ إلى كُلِّ خَيْرٍ، وذائِدٌ عَنْ كُلِّ ضَيْرِ، والإيقانُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ -: صَفاءُ العِلْمِ وسَلامَتُهُ مِن شَوائِبِ الرَّيْبِ ونَحْوِهِ، مِن يَقَنِ الماءِ وهو ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فانْحَدَرَ إلى كَهْفِ جَبَلٍ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِن قَرارٍ ولا وارِدٍ. انْتَهى. فَهو يَكُونُ بَعْدَ شَكٍّ ولِذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ. والوَصْفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ كَما تَرى إشارَةٌ إلى أُمَّهاتِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، فالإيمانُ أساسُ الأمْرِ، والصَّلاةُ مُشارٌ بِها إلى التَّحَلِّي بِكُلِّ خَيْرٍ والتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ شَرٍّ،
﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وكِلاهُما مِن أعْمالِ البَدَنِ، والنَّفَقَةُ عَمَلٌ مالِيٌّ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ حَصْرُ الفِعْلِ والتَّرْكِ الضّابِطَيْنِ لِجَمِيعِ الأعْمالِ كَيْفَ ما تَشَعَّبَتْ، وصَرَّحَ بِالفِعْلِ وأوْمى إلى التَّرْكِ إيماءً لا يَفْهَمُهُ إلّا البُصَراءُ تَسْهِيلًا عَلى السّالِكِينَ، لِأنَّ الفِعْلَ مِن حَيْثُ هو - ولَوْ كانَ صَعْبًا - أيْسَرُ عَلى النَّفْسِ مِنَ الكَفِّ عَمّا تَشْتَهِي. وفي وصْفِهِمْ أيْضًا بِالإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى مَن قَبْلَهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّبْكِيتِ لِمَن سِواهم ما سَتَراهُ في الآياتِ الآتِيَةِ.

جامع البيان — الإيجي (٩٠٥ هـ)

﴿الۤمۤ (١) ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ (٢) ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥) إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ سَوَاۤءٌ عَلَیۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ (٦) خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰۤ أَبۡصَـٰرِهِمۡ غِشَـٰوَةࣱۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ (٧)﴾ [البقرة ١-٧]
﴿الم﴾: أوائل مثل هذه السورة مما استأتر الله بعلمه وهو المنقول عن الخلفاء الأربعة وغيرهم أو أسماء السور أو أقسام أقسم بها لشرفها لأنها مباني كتبه المنزلة أو أنا الله أعلم، ﴿ذَلِكَ الكتابُ﴾: أي: هذا القرآن مصدر بمعنى المفعول ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك أنه من عند الله لو تأمل عاقل فيه لا يشك وقيل بمعنى النهي أي: لا ترتابوا، ﴿هُدًى﴾: بيان ونور ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾: الصائرين إلى الإيمان وترك الشرك أو مزيد هداية لهم، ﴿الذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون ﴿بِالغَيب﴾: أي ما هو غائب كأمور الآخرة والقدر أو محمد عليه الصلاة والسلام من غير رؤيته، ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، يعدلون أركان الصلوات الخمس أو يواظبون عليها، ﴿ومِمّا رَزَقاهم يُنفقونَ﴾: أعطيناهم يصرفون في الخير أو المراد الزكاة، ﴿والّذِينَ يُؤْمِنُون بِما أُنزِلَ إلَيْكَ﴾: هذا في مؤمني أهل الكتاب أو عام كالأول، ﴿وما أنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ سائر الكتب، ﴿وبِالآخِرَةِ﴾ الدار الآخرة ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ لا يشكون أصلًا، ﴿أُولَئِكَ﴾ من هذه صفته، ﴿عَلى هُدًى﴾: أي: مستقر ومستعل على بيان ونور ﴿مِّن ربهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بمطالبهم. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ستروا الحق وهجروا التوحيد ﴿سَواءٌ﴾: مصدر وصف به ﴿عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ تخويفك وعدمه فهو مبتدأ وسواء خبره والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء في علم المستفهم كأنه قيل في جواب أأنذِرهم أم لا المستويان في علمك مستويان في عدم النفع ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾، جملة مفسرة ومؤكدة، ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: طبع واستوثق بضرب الخاتم على قلوبهم، ﴿وعلى سَمْعِهِمْ﴾، أي: مواضعه أو أطلق مجازًا على العضو وكذا البصر ووحد السمع لأنه مصدر والمسموع ليس إلا الصوت بخلاف المعقولات والمبصرات فإنها أنواع من الجواهر والأعراض، ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غشاوَة﴾: غطاء والحاصل أنه أحدث فيهم شيئًا يمرنهم على حب الكفر لا يفقهون الحق ولا يسمعون ولا يبصرون، ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيم﴾: في الآخرة.

التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ .
عَطَفَ عَلى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] طائِفَةً ثانِيَةً عَلى الطّائِفَةِ الأوْلى المَعْنِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] وهُما مَعًا قِسْمانِ لِلْمُتَّقِينَ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّ القُرْآنَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الشِّرْكِ وهُمُ العَرَبُ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ ووَصَفَهم بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ، ذَكَرَ فَرِيقًا آخَرَ مِنَ المُتَّقِينَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، وهَؤُلاءِ هم مُؤْمِنُوا أهْلِ الكِتابِ وهم يَوْمَئِذٍ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا كَثِيرِينَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامَ، وبَعْضِ النَّصارى مِثْلَ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ ودِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وهم وإنْ شارَكُوا مُسْلِمِي العَرَبِ في الِاهْتِداءِ بِالقُرْآنِ والإيمانِ بِالغَيْبِ وإقامَةِ الصَّلاةِ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن صِفاتِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ فَذَكَرْتُ لَهم خَصْلَةً أُخْرى زائِدَةً عَلى ما وُصِفَ بِهِ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ، فالمُغايَرَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هُنا بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، ولَمّا كانَ قَصْدُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ يَسْتَلْزِمُ عَطْفَهم وكانَ العَطْفُ بِدُونِ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّهم فَرِيقٌ آخَرُ يُوهِمُ أنَّ القُرْآنَ لا يَهْدِي إلّا الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ لِأنَّ هَذِهِ خاتِمَةُ الصِّفاتِ فَهي مُرادَةٌ فَيُظَنُّ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ شِرْكٍ لا حَظَّ لَهم مِن هَذا الثَّناءِ، وكَيْفَ وفِيهِمْ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّحابَةِ وهم أشَدُّ اتِّقاءً واهْتِداءً إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ تَرَقُّبٍ لِبَعْثَةِ رَسُولٍ مِن قَبْلُ فاهْتِداؤُهم نَشَأ عَنْ تَوْفِيقٍ رَبّانِيٍّ، دُفِعَ هَذا الإيهامُ بِإعادَةِ المَوْصُولِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ هَؤُلاءِ فَرِيقٌ آخَرُ غَيْرُ الفَرِيقِ الَّذِي أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ، وبِذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الأُوَلِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ شِرْكٍ لِوُجُودِ المُقابَلَةِ. ويَكُونُ المَوْصُولانِ لِلْعَهْدِ، وعَلِمَ أنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ هم أيْضًا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالغَيْبِ ويُقِيمُ الصَّلاةَ ويُنْفِقُ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا أُنْزِلَ إلى النَّبِيءِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ لِأنَّ إيمانَهم بِالقُرْآنِ حَدَثَ جَدِيدًا، وهَذا كُلُّهُ تَخْصِيصٌ لَهم بِمَزِيَّةٍ يَجِبُ اعْتِبارُها وإنْ كانَ التَّفاضُلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الإيمانِ ورُسُوخِهِ وشِدَّةِ الِاهْتِداءِ، فَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ أفْضَلُ مِن دِحْيَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
والإنْزالُ جَعْلُ الشَّيْءِ نازِلًا، والنُّزُولُ الِانْتِقالُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ وهو حَقِيقَةٌ في انْتِقالِ الذَّواتِ مِن عُلُوٍّ، ويُطْلَقُ الإنْزالُ ومادَّةُ اشْتِقاقِهِ بِوَجْهِ المَجازِ اللُّغَوِيِّ عَلى مَعانٍ راجِعَةٍ إلى تَشْبِيهِ عَمَلٍ بِالنُّزُولِ لِاعْتِبارِ شَرَفٍ ورِفْعَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] وقَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] لِأنَّ خَلْقَ اللَّهِ وعَطاءَهُ يُجْعَلُ كَوُصُولِ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ عُلْيا لِشَرَفِهِ، وأمّا إطْلاقُهُ عَلى بُلُوغِ الوَصْفِ مِنَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ فَهو إمّا مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِإسْنادِ النُّزُولِ إلى الوَحْيِ تَبَعًا لِنُزُولِ المَلَكِ مُبَلِّغِهِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهَذا العالَمِ نازِلًا مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] عَلى قَلْبِكَ فَإنَّ المَلَكَ مُلابِسٌ لِلْكَلامِ المَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ، وإمّا مَجازٌ لُغَوِيٌّ بِتَشْبِيهِ المَعانِي الَّتِي تُلْقى إلى النَّبِيءِ بِشَيْءٍ وصَلَ مِن مَكانٍ عالٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو الِارْتِفاعُ المَعْنَوِيُّ لا سِيَّما إذا كانَ الوَحْيُ كَلامًا سَمِعَهُ الرَّسُولُ كالقُرْآنِ وكَما أُنْزِلَ إلى مُوسى وكَما وصَفَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْضَ أحْوالِ الوَحْيِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ وأحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ ما قالَ وأمّا رُؤْيا النَّوْمِ كَرُؤْيا إبْراهِيمَ فَلا تُسَمّى إنْزالًا، والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيءِ ﷺ المِقْدارُ الَّذِي تَحَقَّقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ الثَّناءَ عَلى المُهْتَدِينَ إنَّما يَكُونُ بِأنَّهم حَصَلَ مِنهم إيمانٌ بِما نَزَلَ لا تَوَقُّعُ إيمانِهِمْ بِما سَيَنْزِلُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ لِلذِّكْرِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ يَسْتَمِرُّ إيمانُهُ بِكُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى الرَّسُولِ لِأنَّ العِنادَ وعَدَمَ الِاطْمِئْنانِ إنَّما يَكُونُ في أوَّلِ الأمْرِ، فَإذا زالا بِالإيمانِ أمِنُوا مِنَ الِارْتِدادِ وكَذَلِكَ الإيمانُ حِينَ تُخالِطُ بَشاشَتُهُ القُلُوبُ. فالإيمانُ بِما سَيَنْزِلُ في المُسْتَقْبَلِ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ وهي الدَّلالَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فَإيمانُهم بِما سَيَنْزِلُ مُرادٌ مِنَ الكَلامِ ولَيْسَ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ الَّذِي هو لِلْماضِي فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى تَغْلِيبِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِما أُنْزِلَ﴾ والمُرادُ ما أُنْزِلَ وما سَيَنْزِلُ كَما في الكَشّافِ.
وعَدّى الإنْزالَ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الوَصْفِ فالمُنْزَلُ إلَيْهِ غايَةٌ لِلنُّزُولِ والأكْثَرُ والأصْلُ أنَّهُ يُعَدّى بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ في مَعْنى السُّقُوطِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وإذا أُرِيدَ أنَّ الشَّيْءَ اسْتَقَرَّ عِنْدَ المُنْزَلِ عَلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِنهُ قالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] واخْتِيارُ إحْدى التَّعْدِيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ في الكَلامِ.
ثُمَّ إنَّ فائِدَةَ الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِكَ مِن أهْلِ الكِتابِ الدَّلالَةُ بِالصِّلَةِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا آمَنُوا بِما ثَبَتَ نُزُولُهُ مِنَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِمْ دُونَ تَخْلِيطٍ بِتَحْرِيفاتٍ صَدَّتْ قَوْمَهم عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ كَكَوْنِ التَّوْراةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ وأنَّهُ يَجِيءُ في آخِرِ الزَّمانِ مِن عَقِبِ إسْرائِيلَ مَن يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والعُبُودِيَّةِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما لَمْ يَنْزِلْ في الكُتُبِ السّابِقَةِ، ولَكِنَّهُ مِنَ المَوْضُوعاتِ أوْ مِن فاسِدِ التَّأْوِيلاتِ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغُلاةِ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ صَدَّهم غُلُوُّهم في دِينِهِمْ وقَوْلُهم عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيءِ ﷺ .
وقَوْلُهُ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ عَطْفُ صِفَةٍ ثانِيَةٍ وهي ثُبُوتُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ أيِ اعْتِقادِهِمْ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما خُصَّ هَذا الوَصْفُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أوْصافِهِمْ لِأنَّهُ مِلاكُ التَّقْوى والخَشْيَةِ الَّتِي جُعِلُوا مَوْصُوفِينَ بِها لِأنَّ هَذِهِ الأوْصافَ كُلَّها جارِيَةٌ عَلى ما أجْمَلَهُ الوَصْفُ بِالمُتَّقِينَ فَإنَّ اليَقِينَ بِدارِ الثَّوابِ والعِقابِ هو الَّذِي يُوجِبُ الحَذَرَ والفِكْرَةَ فِيما يُنْجِي النَّفْسَ مِنَ العِقابِ ويُنَعِّمُها بِالثَّوابِ وذَلِكَ الَّذِي ساقَهم إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ ولِأنَّ هَذا الإيقانَ بِالآخِرَةِ مِن مَزايا أهْلِ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لا يُوقِنُونَ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ فَهم دَهْرِيُّونَ، وأمّا ما يُحْكى عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَرْبُطُونَ راحِلَةَ المَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ويَتْرُكُونَها لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى المَوْتَ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ إذا حَيِيَ يَرْكَبُها فَلا يُحْشَرُ راجِلًا ويُسَمُّونَها البَلِيَّةَ فَذَلِكَ تَخْلِيطٌ بَيْنَ مَزاعِمِ الشِّرْكِ وما يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ المُتَنَصِّرِينَ مِنهم بِدُونِ تَأمُّلٍ.
والآخِرَةُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ هي الحَياةُ الآخِرَةُ فَإنَّ الآخِرَةَ صِفَةُ تَأْنِيثِ الآخِرِ بِالمَدِّ وكَسْرِ الخاءِ وهو الحاصِلُ المُتَأخِّرُ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَهُ في فِعْلٍ أوْ حالٍ، وتَأْنِيثُ وصْفِ الآخِرَةِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى أنَّ المُرادَ إجْراؤُهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ حُذِفَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ وصَيْرُورَتِهِ مَعْلُومًا وهو يُقَدَّرُ بِالحَياةِ الآخِرَةِ مُراعاةً لِضِدِّهِ وهو الحَياةُ الدُّنْيا أيِ القَرِيبَةُ بِمَعْنى الحاضِرَةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَها العاجِلَةُ ثُمَّ صارَتِ الآخِرَةُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الحَياةِ الحاصِلَةِ بَعْدَ المَوْتِ وهي الحاصِلَةُ بَعْدَ البَعْثِ لِإجْراءِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ. فَمَعْنى ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ.
واليَقِينُ هو العِلْمُ بِالشَّيْءِ عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ أوْ بَعْدَ شَكٍّ سابِقٍ ولا يَكُونُ شَكٌّ إلّا في أمْرٍ ذِي نَظَرٍ فَيَكُونُ أخَصَّ مِنَ الإيمانِ ومِنَ العِلْمِ. واحْتَجَّ الرّاغِبُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ولِذَلِكَ لا يُطْلِقُونَ الإيقانَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ ولا عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وقِيلَ هو العِلْمُ الَّذِي لا يَقْبَلُ الِاحْتِمالَ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ القَوِيِّ إطْلاقًا عُرْفِيًّا حَيْثُ لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّهُ ظَنٌّ ويُشْتَبَهُ بِالعِلْمِ الجازِمِ فَيَكُونُ مُرادِفًا لِلْإيمانِ والعِلْمِ.
فالتَّعْبِيرُ عَنْ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ بِمادَّةِ الإيقانِ لِأنَّ هاتِهِ المادَّةَ، تُشْعِرُ بِأنَّهُ عِلْمٌ حاصِلٌ عَنْ تَأمُّلِ وغَوْصِ الفِكْرِ في طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لِأنَّ الآخِرَةَ لَمّا كانَتْ حَياةً غائِبَةً عَنِ المُشاهَدَةِ غَرِيبَةً بِحَسَبِ المُتَعارَفِ وقَدْ كَثُرَتِ الشُّبَهُ الَّتِي جَرَّتِ المُشْرِكِينَ والدَّهْرِيِّينَ عَلى نَفْيِها وإحالَتِها، كانَ الإيمانُ بِها جَدِيرًا بِمادَّةِ الإيقانِ بِناءً عَلى أنَّهُ أخَصُّ مِنَ الإيمانِ، فَلِإيثارِ يُوقِنُونَ هُنا خُصُوصِيَّةٌ مُناسِبَةٌ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ، والَّذِينَ جَعَلُوا الإيقانَ والإيمانَ مُتَرادِفَيْنِ جَعَلُوا ذِكْرَ الإيقانِ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفْظِ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ تَقْدِيمٌ لِلْمَجْرُورِ الَّذِي هو مَعْمُولُ يُوقِنُونَ عَلى عامِلِهِ، وهو تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وأرى أنَّ في هَذا التَّقْدِيمِ ثَناءً عَلى هَؤُلاءِ بِأنَّهم أيْقَنُوا بِأهَمِّ ما يُوقِنُ بِهِ المُؤْمِنُ فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ بِمُفِيدٍ حَصْرًا إذْ لا يَسْتَقِيمُ مَعْنى الحَصْرِ هُنا بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ دُونَ غَيْرِها، وقَدْ تَكَلَّفَ صاحِبُ الكَشّافِ وشارِحُوهُ لِإفادَةِ الحَصْرِ مِن هَذا التَّقْدِيمِ ويَخْرُجُ الحَصْرُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِذاتِ المَحْصُورِ فِيهِ إلى تَعَلُّقِهِ بِأحْوالِهِ وهَذا غَيْرُ مَعْهُودٍ في الحَصْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ جِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ إذْ هو إيقانٌ ثابِتٌ عِنْدَهم مِن قَبْلِ مَجِيءِ الإسْلامِ عَلى الإجْمالِ، وإنْ كانَتِ التَّوْراةُ خالِيَةً عَنْ تَفْصِيلِهِ والإنْجِيلُ أشارَ إلى حَياةِ الرُّوحِ، وتَعَرَّضَ كِتابا حِزْقِيالَ وأشْعِياءَ لِذِكْرِهِ.
وفِي كِلا التَّقْدِيمَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الدَّهْرِيِّينَ ونِداءٌ عَلى انْحِطاطِ عَقِيدَتِهِمْ، وأمّا المُتَّبِعُونَ لِلْحَنِيفِيَّةِ في ظَنِّهِمْ مِثْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِمْ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ أوْ لِأنَّهم مُلْحَقُونَ بِأهْلِ الكِتابِ لِأخْذِهِمْ عَنْهم كَثِيرًا مِن شَرائِعِهِمْ بِعِلَّةِ أنَّها مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

أنوار التنزيل — البيضاوي (٦٨٥ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأضْرابِهِ، مَعْطُوفُونَ عَلى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾، داخِلُونَ مَعَهم في جُمْلَةِ المُتَّقِينَ دُخُولَ أخَصَّيْنِ تَحْتَ أعَمَّ، إذِ المُرادُ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ شِرْكٍ وإنْكارٍ، وبِهَؤُلاءِ مُقابِلُوهم فَكانَتِ الآيَتانِ تَفْصِيلًا لِلْمُتَّقِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. أوْ عَلى المُتَّقِينَ وكَأنَّهُ قالَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِّرْكِ، والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ المِلَلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الأوَّلُونَ بِأعْيانِهِمْ، ووُسِّطَ العاطِفُ كَما وُسِّطَ في قَوْلِهِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

وَقَوْلِهِ:
يا لَهْفَ ذُؤابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ... ∗∗∗ ائِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ

عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِما يُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً والإتْيانُ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ وبَيْنَ الإيمانِ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ عَبْرَ السَّمْعِ. وكَرَّرَ المَوْصُولَ تَنْبِيهًا عَلى تَغايُرِ القَبِيلَيْنِ وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ.
أوْ طائِفَةٌ مِنهم وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَهم مُخَصَّصِينَ عَنِ الجُمْلَةِ كَذِكْرِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَرْغِيبًا لِأمْثالِهِمْ.
والإنْزالُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ وهو إنَّما يُلْحِقُ المَعانِيَ بِتَوَسُّطِ لُحُوقِهِ الذَّواتِ الحامِلَةَ لَها، ولَعَلَّ نُزُولَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى الرُّسُلِ بِأنْ يَلْتَقِفَهُ المَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَلَقُّفًا رَوْحانِيًّا، أوْ يَحْفَظَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَنْزِلَ بِهِ فَيُبَلِّغَهُ إلى الرَّسُولِ. والمُرادُ ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ القُرْآنُ بِأسْرِهِ والشَّرِيعَةُ عَنْ آخِرِها، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقَّبًا تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ. أوْ تَنْزِيلًا لِلْمُنْتَظَرِ مَنزِلَةَ الواقِعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ . فَإنَّ الجِنَّ لَمْ يَسْمَعُوا جَمِيعَهُ ولَمْ يَكُنِ الكِتابُ كُلُّهُ مُنَزَّلًا حِينَئِذٍ. وبِما ﴿أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السّابِقَةِ، والإيمانُ بِها جُمْلَةً فَرْضُ عَيْنٍ، وبِالأوَّلِ دُونَ الثّانِي تَفْصِيلًا مِن حَيْثُ إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِتَفاصِيلِهِ فَرْضٌ، ولَكِنْ عَلى الكِفايَةِ. لِأنَّ وُجُوبَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ يُوجِبُ الحَرَجَ وفَسادَ المَعاشِ.
﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ أيْ يُوقِنُونَ إيقانًا زالَ مَعَهُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، واخْتِلافَهم في نَعِيمِ الجَنَّةِ: أهْوَ مِن جِنْسِ نَعِيمِ الدُّنْيا أوْ غَيْرِهِ؟ وفي دَوامِهِ وانْقِطاعِهِ، وفي تَقْدِيمِ الصِّلَةِ وبِناءِ يُوقِنُونَ عَلى هم تَعْرِيضٌ لِمَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وبِأنَّ اعْتِقادَهم في أمْرِ الآخِرَةِ غَيْرُ مُطابِقٍ ولا صادِرٍ عَنْ إيقانٍ. واليَقِينُ: إتْقانُ العِلْمِ بِنَفْيِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ نَظَرًا واسْتِدْلالًا، ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ عِلْمُ البارِئِ، ولا العُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ. والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخِرِ، صِفَةُ الدّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فَغَلَبَتْ كالدُّنْيا، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ خَفَّفَها بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وقُرِئَ « يُوقِنُونَ» بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً لِضَمِّ ما قَبْلَها إجْراءً لَها مَجْرى المَضْمُومَةِ في وُجُوهٍ ووَقَتْتُ ونَظِيرُهُ:
لِحُبِّ المُؤْقِدِ إنْ إلى مُؤْسى... ∗∗∗ وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ
مدارك التنزيل — النسفي (٧١٠ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكُلِّ وحْيٍ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللهِ، وأيْقَنُوا بِالآخِرَةِ إيقانًا زالَ مَعَهُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى، وأنَّ النارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ. ثُمَّ إنْ عَطَفْتَهم عَلى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ دَخَلُوا في جُمْلَةِ المُتَّقِينَ. وإنْ عَطَفْتَهم عَلى المُتَّقِينَ لَمْ يَدْخُلُوا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وهُدًى لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، أوِ المُرادُ بِهِ وصْفُ الأوَّلِينَ، ووَسَّطَ العاطِفَ كَما يُوَسَّطُ بَيْنَ الصِفاتِ في قَوْلِكَ: هو الشُجاعُ والجَوادُ. وقَوْلُهُ:
إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ

والمَعْنى: أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ تِلْكَ الصِفاتِ وهَذِهِ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. والمُرادُ: جَمِيعُ القُرْآنِ لا القَدْرُ الَّذِي سَبَقَ إنْزالُهُ وقْتَ إيمانِهِمْ، لِأنَّ الإيمانَ بِالجَمِيعِ واجِبٌ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقَّبًا، تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، ولِأنَّهُ إذا كانَ بَعْضُهُ نازِلًا، وبَعْضُهُ مُنْتَظَرَ النُزُولِ، جُعِلَ كَأنَّ كُلَّهُ قَدْ نَزَلَ ﴿وَما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يُعْنى: سائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى النَبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَبِالآخِرَةِ﴾ وهي تَأْنِيثُ الآخِرِ الَّذِي هو ضِدُّ الأوَّلِ، وهي صِفَةٌ والمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وهو الدارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ﴾ [القَصَصُ: ٨٣] وهي مِنَ الصِفاتِ الغالِبَةِ، وكَذَلِكَ الدُنْيا. وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ خَفَّفَها بِأنْ حَذَفَ الهَمْزَةَ، وألْقى حَرَكَتَها عَلى اللامِ ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ الإيقانُ: إتْقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَكِّ والشُبْهَةِ عَنْهُ.

تفسير القرآن — السمعاني (٤٨٩ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك﴾
وَهَذِه الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ من أهل الْكتاب؛ لأَنهم هم الَّذين آمنُوا بِالْقُرْآنِ وَسَائِر الْكتب قبله، وَقد روى فِي حَدِيث صَحِيح عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من آمن بالكتب الْمُتَقَدّمَة وآمن بِالْقُرْآنِ يُؤْتى أجره مرَّتَيْنِ ". وَعَلِيهِ دلّ نَص الْقُرْآن ﴿أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ﴾ .
وَقَوله: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ فالآخرة هِيَ دَار الْآخِرَة. وَسميت الدُّنْيَا دنيا؛ لدنوها من الْخلق، وَسميت الْآخِرَة آخِرَة؛ لتأخرها عَن الْخلق.
﴿هم يوقنون﴾ من الإيقان وَهُوَ الْعلم، وَقيل: الإيقان وَالْيَقِين: علم عَن اسْتِدْلَال، وَلذَلِك لَا يُسَمِّي الله تَعَالَى موقنا إِذْ لَيْسَ علمه عَن اسْتِدْلَال.
المحرر الوجيز — ابن عطية (٥٤٦ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ٤-٥]
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِالَّتِي قَبْلَها، فَقالَ قَوْمٌ: الآيَتانِ جَمِيعًا في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: هُما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: الآيَةُ الأُولى في مُؤْمِنِي العَرَبِ، والثانِيَةُ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ تَتَعارَضُ، فَمَن جَعَلَ الآيَتَيْنِ في صِنْفٍ واحِدٍ، فَإعْرابُ "الَّذِينَ" خَفْضٌ عَلى العَطْفِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: "وَهُمُ الَّذِينَ"، ومَن جَعَلَ الآيَتَيْنِ في صِنْفَيْنِ فَإعْرابُ "الَّذِينَ" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي الكُتُبَ السالِفَةَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ "بِما أنْزَلَ" و"ما أنْزَلَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما خاصَّةً، والفِعْلُ عَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلَ إلى جِبْرِيلَ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْزَمُ.
و"بِالآخِرَةِ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالدارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالنَشْأةِ الآخِرَةِ.
و"يُوقِنُونَ" مَعْناهُ: يَعْلَمُونَ عِلْمًا مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِهِمْ، واليَقِينُ أعْلى دَرَجاتِ العِلْمِ، وهو الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَهُ شَكٌّ بِوَجْهٍ.
وقَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: "فَيَحْلِفُ عَلى يَقِينِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ الأمْرُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ"، تَجُوزُ في العِبارَةِ عَلى عُرْفِ تَجَوُّزِ العَرَبِ، ولَمْ يَقْصِدْ تَحْرِيرَ الكَلامِ في اليَقِينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ و"أُولاءِ" جَمْعُ (ذا)، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، لِأنَّهُ ضَعْفٌ لِإبْهامِهِ عن قُوَّةِ الأسْماءِ، وكانَ أصْلَ البَنّاءِ السُكُونُ، فَحُرِّكَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، و"الكافُ" لِلْخِطابِ، و"الهُدى" هُنا الإرْشادُ، و"أُولَئِكَ" الثانِي ابْتِداءٌ، و"المُفْلِحُونَ" خَبَرُهُ، و"هُمُ" فَصْلٌ؛ لِأنَّهُ وقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هُمُ" ابْتِداءٌ و"المُفْلِحُونَ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "أُولَئِكَ".
والفَلْحُ: الظَفَرُ بِالبُغْيَةِ، وإدْراكُ الأمَلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
واعْقِلِي -إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي- ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقْلُ

وقَدْ ورَدَتْ لِلْعَرَبِ أشْعارٌ فِيها الفَلاحُ بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِهِ:
...................................... ∗∗∗ ونَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عادٍ وحِمْيَرَ

وكَقَوْلِ الأضْبَطِ:
لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والصُبْحُ والمُسْيُ لا فَلاحَ مَعَهُ

والبَقاءُ يَعُمُّهُ إدْراكُ الأمَلِ والظَفَرِ بِالبُغْيَةِ، إذْ هو رَأسُ ذَلِكَ ومَلاكُهُ، وحَكى الخَلِيلُ الفَلاحَ عَلى المَعْنَيَيْنِ.

الهداية إلى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب (٤٣٧ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
وقوله: ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: بالقرآن. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾. أي: بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وبجميع ما أنزله الله على أنبيائه.
* * *
وقوله: ﴿وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
أي: بالبعث والحشر والجنة والنار يصدقون. وسميت الآخرة آخرة لأنها بعد الأولى وهي الدنيا. وقيل: سميت بذلك لتأخرها عن الناس.
* * *
وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث والحشر والجنة والنار.
محاسن التأويل — القاسمي (١٣٣٢ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤ ] ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾
" والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ" والمُرادُ "بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ" الكِتابُ المُنَزَّلُ كُلُّهُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقِّبًا - تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ. كَما أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: "وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ" الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ السّالِفَةُ كُلُّها. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] الآيَةَ. والإنْزالُ النَّقْلُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ. فَنُزُولُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَتَلَقّاها جِبْرِيلُ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْزِلُ بِها إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولِهَذا يُقالُ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدَأ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ: وإلَيْهِ يَعُودُ أيْ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]
" وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ الآخِرَةُ في الأصْلِ: تَأْنِيثُ الآخِرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ وهي صِفَةُ الدّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا. وقِيلَ لِلدُّنْيا: دُنْيا، لِأنَّها أدْنى مِنَ الآخِرَةِ. وهُما مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ. ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جَرَيا مَجْرى الأسْماءِ؛ إذْ قَدْ غَلَبَ تَرْكُ ذِكْرِ اسْمِ مَوْصُوفِهِما مَعَهُما، كَأنَّهُما لَيْسا مِنَ الصِّفاتِ.
والإيقانُ إتْقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، وفي تَقْدِيمِ "الآخِرَةُ" وبِناءُ "يُوقِنُونَ" عَلى "هُمْ" تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ، وبِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إثْباتِ أمْرِ الآخِرَةِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. كَزَعْمِهِمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً؛ واخْتِلافُهم في أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ هَلْ هو مِن قَبِيلِ نَعِيمِ الدُّنْيا أوْ لا ؟ وهَلْ هو دائِمٌ أوْ لا ؟ فاعْتِقادُهم في أُمُورِ الآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّحَّةِ، فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ ! .

الجواهر الحسان — الثعالبي (٨٧٥ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥) إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ سَوَاۤءٌ عَلَیۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ (٦) خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰۤ أَبۡصَـٰرِهِمۡ غِشَـٰوَةࣱۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ (٧)﴾ [البقرة ٤-٧]
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام(١) وفيه نزلت.
وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.
وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:
الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ... إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ(٢) ، ونظرائهم(٣) .
والقولُ الأول هو المعتمد عليه.
وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة(٤) لا أنه مجاز(٥) فقد جاء عن النبيِّ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ(٦) قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ»(٧) [المطففين: 14] » انتهى.
والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه:
لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه.

(١) هو: عبد الله بن سلام بن الحارث.. من ذرية يوسف (عليه السلام) . أبو يوسف، حليف النوافل من الخزرج «الإسرائيلي» ، الأنصاري. -- قال ابن الأثير في «الأسد» : كان إسلامه لما قدم النبي المدينة مهاجرا. روى عنه ابناه يوسف، ومحمد، وأنس بن مالك، وزرارة بن أوفى، وكان قد ذكر قبل ذلك أنه كان اسمه في الجاهلية «الحصين» ، فسماه رسول الله حين أسلم عبد الله. توفي سنة (43) هـ.
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 264) ، «الإصابة» (4/ 80) ، «الثقات» (3/ 228) ، «نقعة الصديان» (245) ، «عنوان النجابة» (124) ، «شذرات الذهب» (1/ 40) ، «تقريب التهذيب» (1/ 422) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 249) .
(٢) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت أمه من «بني النضير» فدان باليهودية.
وكان سيدا في أخواله. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجوم النبي ﷺ وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم، والتشبيب بنسائهم، وخرج إلى مكة بعد وقعة «بدر» فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة. وأمر النبي ﷺ بقتله، فانطلق إليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهر حصنه سنة (3 هـ.) وحملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة.
ينظر: «الروض الأنف» (2/ 123) ، «إمتاع الأسماع» (1/ 107) ، «ابن الأثير» (2/ 53) ، «الطبري» (3/ 2) ، «الأعلام» (5/ 225) .
(٣) الطبري (1/ 141) برقم (295) وذكره السمرقندي (1/ 91- 92) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 87) ، والماوردي (1/ 72) ، والقرطبي (1/ 160) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 65) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير (1/ 45) .
(٤) قال ابن فارس في «فقه اللغة» : الحقيقة من قولنا: حقّ الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقق، -وهو المحكم يقال: ثوب محقّق النّسج: أي محكمه. فالحقيقة: الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة، ولا تمثيل، ولا تقديم فيه، ولا تأخير كقول القائل: أحمد الله على نعمه وإحسانه. وهذا أكثر الكلام، وأكثر آي القرآن وشعر العرب على هذا.
وينظر: «البحر المحيط» للزركشي (2/ 152) ، «سلاسل الذهب» له ص (182) ، «التمهيد» للأسنوي ص (185) ، «نهاية السول» له (2/ 145) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 327) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري» (ص 46) .
(٥) المجاز مأخوذ من جاز يجوز إذا استنّ ماضيا، تقول: جاز بنا فلان، وجاز علينا فارس هذا هو الأصل.
ثم تقول: يجوز أن تفعل كذا: أي ينفذ ولا يرد ولا يمنع. وتقول: عندنا دراهم وضح وازنة، وأخرى تجوز جواز الوازنة: أي: إن هذه وإن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها.
فهذا تأويل قولنا: «مجاز» يعني: أن الكلام الحقيقي يمضي لسننه لا يعترض عليه، وقد يكون غيره يجوز جوازه لقربه منه، إلا أن فيه من تشبيه واستعارة وكفّ ما ليس في الأوّل وذلك كقولنا: عطاء فلان مزن واكف. فهذا تشبيه، وقد جاز مجاز قوله: عطاؤه كثير واف. ومن هذا قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: 16] . فهذا استعارة.
وقال ابن جني في «الخصائص» : الحقيقية ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عدمت الثلاثة تعيّنت الحقيقة فمن ذلك قوله ﷺ في الفرس: «هو بحر» ، فالمعاني الثلاثة موجودة فيه.
ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (2/ 158) ، «سلاسل الذهب» له ص (190) ، «التمهيد» للأسنوي ص (185) ، «نهاية السول» له (2/ 145) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 354) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص (47) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي، (1/ 221) ، «المستصفى» للغزالي (1/ 341) ، «حاشية البناني» (1/ 304) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 273) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (2/ 152) ، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني ص (387) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (1/ 399) ، «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 14، 2/ 405) ، «الإحكام في أصول الأحكام» (4/ 437) ، «التحرير» لابن الهمام ص (160) ، «تيسير التحرير لأمير بادشاه» (1/ 73، 2/ 3) ، «كشف الأسرار» للنسفي (1/ 226) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (1/ 138) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (1/ 72) ، «حاشية نسمات الأسحار» لابن عابدين ص (98) ، «شرح مختصر المنار» للكوراني ص (59) ، «الوجيز» للكراماستي ص (8) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (1/ 527) ، «تقريب الوصول» لابن جزي ص (73) ، «إرشاد الفحول» للشوكاني ص (22) ، «نشر البنود» للشنقيطي (1/ 124) ، «الكوكب المنير» للفتوحي ص (39- 56) ، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (2/ 2) .
(٦) الصّقل: الجلاء. ينظر: «لسان العرب» (2473) .
(٧) أخرجه أحمد (2/ 297) ، والترمذي (5/ 434) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب ومن سورة ويل للمطففين، حديث (3334) ، والنسائي في «التفسير» (2/ 505) ، رقم (678) ، وفي «الكبرى» (6/ 110) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يفعل من بلي بذنب وما يقول، حديث (10251) ، وابن ماجه (2/ 1418) ، كتاب «الزهد» باب ذكر الذنوب، حديث (4244) ، والطبري في «تفسيره» (30/ 62) ، والحاكم (2/ 517) ، وابن حبان (3/ 210) ، رقم (930) ، و (1771- موارد) ، كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا.
وقال الترمذي: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان.
والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 539) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .


بحر العلوم — السمرقندي (٣٧٣ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ٤-٥]
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني بالقرآن قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني التوراة والإنجيل وسائر الكتب، ويقال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالغيب فلما قال: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ قالوا: نحن نقيم الصلاة فلما قال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ قالوا: نحن ننفق ونتصدق. فلما قال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ نفروا من ذلك.
وقوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي يقرُّون يوم القيامة، والجنة والنار، والبعث، والحساب، والميزان. واليقين على ثلاثة أوجه: يقين عيان، ويقين خبر، ويقين دلالة. فأما يقين العيان: إذا رأى شيئاً، زال عنه الشك في ذلك الشيء، وأما يقين الدلالة: هو أن يرى دخاناً يرتفع من موضع، يعلم باليقين أن هناك ناراً وإن لم يرها وأما يقين الخبر: فإن الرجل يعلم باليقين أن في الدنيا مدينة يقال لها بغداد، وإن لم يكن يعاينها. فهاهنا يقين خبر، ويقين دلالة، أن الآخرة حق ولكن تصير معاينة عند الرؤية.
ثم قال عز وجل: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ يعني أهل هذه الصفة الذين سبق ذكرهم على بيان من الله تعالى، أي أكرمهم الله تعالى في الدنيا حيث هداهم، وبين لهم طريقهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في الآخرة، أي الناجون. يعني أن الله تعالى أكرمهم في الدنيا بالبيان، وفي الآخرة بالنجاة. وقد قيل: الفلاح هو البقاء في النعمة. وقد قيل: الفلاح إذا بلغ الإنسان نهاية ما يأمل. ويقال: معناه قد وجدوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.
وكل ما في القرآن المفلحون، فتفسيره هكذا.

الكشف والبيان — الثعلبي (٤٢٧ هـ)

﴿الۤمۤ (١) ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ (٢) ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥) إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ سَوَاۤءٌ عَلَیۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ (٦) خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰۤ أَبۡصَـٰرِهِمۡ غِشَـٰوَةࣱۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ (٧)﴾ [البقرة ١-٧]
مدنية: وهي مائتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي وهي سند أمير المؤمنين علي عليه السّلام وهي خمسة وعشرون ألف [حرف] وخمسمائة حرف، وستّة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة
أخبرنا عبد الله بن حامد بقراءتي عليه، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا يعقوب ابن سفيان الصغير، حدثنا يعقوب بن سفيان الكبير، حدثنا هشام بن عمّار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن زرين عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، قال: أول سورة نزلت بالمدينة سورة البقرة.

فضلها:
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها، أخبرنا دعلج بن أحمد الشجري ببغداد، حدثنا محمد بن أحمد بن هارون، حدثنا خندف عن علي، حدثنا حسّان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن شعيب المزني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلا لم يدخله شيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخل في بيته شيطان ثلاثة أيام»(١) [59] .
وأخبرنا محمد بن القاسم بن أحمد المرتّب بقراءتي عليه، حدثنا أبو عمرو بن مطرف، حدثنا أبو عبد الله محمد بن المسيب، حدثنا عبد الله بن الحسين، حدثنا يوسف بن الأسباط، حدثنا حسن بن المهاجر عن عبد الله بن يزيد عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تعلموا البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة»(٢) [60] .
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن علي الحافظ، أخبرنا محمد بن يحيى بن مندة، حدثنا أبو مصعب، حدثنا عمران بن طلحة الليثي عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: بعث النبي ﷺ‎ بعثا ثم تتبعهم يستقرئهم، فجاء إنسان منهم فقال: «ماذا معك من القرآن؟» حتى أتى على آخرهم، وهو أحدثهم سنّا، فقال: «ما معك من القرآن؟» قال: كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: «اخرجوا وهذا عليكم أمين» ، قالوا: يا رسول الله هو أحدثنا سنّا، قال: «معه سورة البقرة»(٣) [61] .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: الم: اختلف العلماء في الحروف المعجمة المفتتحة بها السور، فذهب كثير منهم إلى أنّها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله تأويلها.
قال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) : في كل كتاب سر، وسر القرآن أوائل السور.
وقال علي بن أبي طالب عليه السّلام: إنّ لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي.
وفسّره الآخرون، فقال سعيد بن جبير: هي أسماء الله مقطّعة، لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنّك تقول: الر(٤) وتقول: حم(٥) وتقول: ن(٦) فيكون الرَّحْمنُ، وكذلك سائرها على هذا الوجه، إلّا أنّا لا نقدر على وصلها والجمع بينها.
وقال قتادة: هي أسماء القرآن.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي أسماء للسور المفتتحة بها.
وقال ابن عباس: هي أقسام أقسم الله بها، وروي أنّه ثناء أثنى الله به على نفسه.
وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلّا وهو(٧) مفتاح لاسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلّا وهو في الآية وبلائه»
، وليس منها حرف إلّا في مدّة قوم وآجال آخرين.
وقال عبد العزيز بن يحيى: معنى هذه الحروف أنّ الله ذكرها، فقال: اسمعوها مقطعة، حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وكذلك تعلم الصبيان أولا مقطعة، وكان الله أسمعهم مقطعة مفردة، ليعرفوها إذا وردت عليهم، ثم أسمعهم مؤلّفة.
وقال أبو روق: إنّها تكتب للكفار، وذلك أنّ رسول الله ﷺ‎ كان يجهر بالقراءة في الصلوات كلّها، وكان المشركون يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
فربما صفّقوا وربما صفّروا وربما لفظوا ليغلّطوا النبي ﷺ‎، فلمّا رأى رسول الله ذلك أسرّ في الظهر والعصر وجهر في سائرها، وكانوا يضايقونه ويؤذونه، فأنزل الله تعالى هذه الحروف المقطعة، فلمّا سمعوها بقوا متحيرين متفكّرين، فاشتغلوا بذلك عن إيذائه وتغليطه، فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم.
وقال الأخفش: إنّما أقسم الله بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنّها مباني كتبه المنزلة بالألسن المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم بما يتعارفون ويذكرون الله ويوحّدونه، وكأنّه أقسم بهذه الحروف إنّ القرآن كتابه وكلامه لا رَيْبَ فِيهِ.
وقال النقيب: هي النبهة والاستئناف ليعلم أنّ الكلام الأول قد انقطع، كقولك: ولا إنّ زيدا ذهب.
وأحسن الأقاويل فيه وأمتنها أنّها إظهار لإعجاز القرآن وصدق محمد ﷺ‎ وذلك أنّ كل حرف من هذه الحروف الثمانية والعشرين.
والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ(٨) أي صلّوا لا يصلّون، وقوله: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ(٩) فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة إذ كانا من أركانها، وقال: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ(١٠) أراد جميع أبدانكم.
وقال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي الأنف فعبّر باليد عن الجسد، وبالأنف عن الوجه.
وقال الشاعر في امرأته:
لما رأيت أمرها في خطي ... وفنكت في كذب ولط
أخذت منها بقرون شمط ... فلم يزل ضربي بها ومعطي(١١)
فعبّر بلفظة «خطي» عن جملة حروف أبجد.
ويقول القائل: (أب ت ث) وهو لا يريد هذه الأربعة الأحرف دون غيرها، بل يريد جميعها وقرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ، وهو يريد جميع السورة، ونحوها كثير، وكذلك عبّر الله بهذه الحروف عن جملة حروف التهجّي، والإشارة فيه أنّ الله تعالى نبّه العرب وتحدّاهم، فقال: إنّي قد نزّلت هذا الكتاب من جملة الثمانية والعشرين التي هي لغتكم ولسانكم، وعليها مباني كلامكم، فإن كان محمد هو النبي يقوله من تلقاء نفسه، فأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة مثله، فلمّا عجزوا عن ذلك بعد الإجهاد ثبت أنّه معجزة.
هذا قول المبرّد وجماعة من أهل المعاني، فإن قيل: فهل يكون حرفا واحدا عودا للمعنى؟
وهل تجدون في كلام العرب أن يقال: الم زيد قائم؟ وحم عمرو ذاهب؟ قلنا: نعم، هذا عادة العرب يشيرون بلفظ واحد إلى جميع الحروف ويعبّرون به عنه.
قال الراجز:
قلت لها قفي فقالت قاف ... لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف(١٢)
أي قف أنت.
وأنشد سيبويه لغيلان:
نادوهم ألا ألجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلّهم ألا فا(١٣)
أي لا تركبون فقالوا: ألا فاركبوا.
وأنشد قطرب في جارية:
قد وعدتني أم عمرو أن تا ... تدهن رأسي وتفليني تا
أراد أن تأتي وتمسح(١٤)
وأنشد الزجّاج:
بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشرّ إلّا أن تا(١٥)
أراد بقوله (فا) : وإن شرا فشر له، وبقوله: تا إلا أن تشاء.
قال الأخفش: هذه الحروف ساكنة لأنّ حروف الهجاء لا تعرب، بل توقف على كلّ حرف على نيّة السكت، ولا بدّ أن تفصل بالعدد في قولهم واحد- اثنان- ثلاثة- أربعة.
قال أبو النجم:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف(١٦)
تكتبان في الطريق لام الألف فإذا أدخلت حرفا من حروف العطف حركتها.
وأنشد أبو عبيدة:
إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء هاج بينهم جدال(١٧)
وهذه الحروف تذكّر على اللفظ وتؤنّث على توهم الكلمة.
قال كعب الأحبار: خلق الله العلم من نور أخضر، ثم أنطقه ثمانية وعشرين حرفا من أصل الكلام، وهيّأها بالصوت الذي سمع وينطق به، فنطق بها العلم فكان أوّل ذلك كلّه [.....](١٨) فنظرت إلى بعضها فتصاغرت وتواضعت لربّها تعالى، وتمايلت هيبة له، فسجدت فصارت همزة، فلمّا رأى الله تعالى تواضعها مدّها وطوّلها وفضّلها، فصارت ألفا، فتلفظه بها، ثم جعل القلم ينطق حرفا حرفا(١٩) إلى ثمانية وعشرين حرفا، فجعلها مدار الكلام والكتب والأصوات واللغات والعبادات كلّها إلى يوم القيامة، وجميعها كلّها في أبجد.
وجعل الألف لتواضعها مفتاح أول أسمائه، ومقدّما على الحروف كلّها، فأمّا قوله عزّ وجلّ: الم فقد اختلف العلماء في تفسيرها.
عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: الم قال: أنا الله أعلم.
أبو روق عن الضحاك في قوله الم: أنا الله أعلم.
مجاهد وقتادة: الم اسم من أسماء القرآن.
الربيع بن أنس: (ألف) مفتاح اسم الله، و (لام) مفتاح اسمه لطيف، و (ميم) مفتاح اسمه مجيد.
خالد عن عكرمة قال: الم قسم.
محمد بن كعب: (الألف) آلاء الله، و (اللام) لطفه، و (الميم) ملكه.
وفي بعض الروايات عن ابن عباس: (الألف) الله، و (اللام) جبرئيل، أقسم الله بهم إنّ هذا الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ
، ويحتمل أن يكون معناه على هذا التأويل: أنزل الله هذا الكتاب على لسان جبريل إلى محمد ﷺ‎.
وقال أهل الإشارة: (ألف) : أنا، (لام) : لي، (ميم) : منّي.
وعن علي بن موسى الرضا عن جعفر الصادق، وقد سئل عن قوله: الم فقال: في الألف ست صفات من صفات الله: الابتداء لأنّ الله تعالى ابتدأ جميع الخلق، و (الألف) .
ابتداء الحروف، والاستواء: فهو عادل غير جائر، و (الألف) مستو في ذاته، والانفراد: والله فرد والألف فرد، واتصال الخلق بالله، والله لا يتصل بالخلق، فهم يحتاجون إليه وله غنى عنهم.
وكذلك الألف لا يتصل بحرف، فالحروف متصلة: وهو منقطع عن غيره، والله باين بجميع صفاته من خلقه، ومعناه من الألفة، فكما أنّ الله سبب إلفة الخلق، فكذلك الألف عليه تألفت الحروف وهو سبب إلفتها.
وقالت الحكماء: عجز عقول الخلق في ابتداء خطابه، وهو محل الفهم، ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة حقائق خطابه إلّا بعلمهم، فالعجز عن معرفة الله حقيقة خطابه.
وأما محل الم من الإعراب فرفع بالابتداء وخبره فيما بعده.
وقيل: الم ابتداء، وذلِكَ ابتداء آخر والْكِتابُ خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول.
ذلِكَ: قرأت العامة ذلِكَ بفتح الذال، وكذلك هذه وهاتان، وأجاز أبو عمرو الإمالة في هذه، (ذ) للاسم، واللام عماد، والكاف خطاب، وهو إشارة إلى الغائب.
والْكِتابُ: بمعنى المكتوب كالحساب والعماد.
قال الشاعر:
بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة ... أتتك من الحجج تتلى كتابها(٢٠)
أو مكتوبها، فوضع المصدر موضع الاسم، كما يقال للمخلوق خلق، وللمصور تصوير، وقال: دراهم من ضرب الأمير، أي هي مضروبة، وأصله من الكتب، وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض، مأخوذ من قولهم: كتب الخرز، إذا خرزته قسمين، ويقال للخرز كتبة وجمعها كتب.
قال ذو المرّجة:
وفراء غرفية أثاي خوارزها ... مشلشل ضيعته فبينها الكتب(٢١)
ويقال: كتبت البغل، إذا حرمت من سفرتها الخلقة، ومنه قيل للجند كتيبة، وجمعها كتائب.
قال الشاعر:
وكتيبة جاءوا ترفل ... في الحديد لها ذخر
واختلفوا في هذا الْكِتابُ قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك ومقاتل:
هو القرآن، وعلى هذا القول يكون (ذلِكَ) بمعنى (هذا) كقول الله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ(٢٢) أي هذه.
وقال خفاف بن ندبه السلمي:
إن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيممت مالكا(٢٣)
أقول له الرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذالكا(٢٤)
يريد [هذا] .
وروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: معناه ذلِكَ الْكِتابُ الذي أخبرتك أن أوجّه إليك.
وقال عطاء بن السائب: ذلِكَ الْكِتابُ الذي وعدتكم يوم الميثاق.
وقال يمان بن رئاب: ذلِكَ الْكِتابُ الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.
وقال سعيد بن جبير: هو اللوح المحفوظ.
عكرمة: هو التوراة والإنجيل والكتب المتقدّمة.
وقال الفراء: إنّ الله تعالى وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا يخلق على كثرة الردّ، فلمّا أنزل القرآن قال: هو الكتاب الذي وعدتك.
وقال ابن كيسان: تأويله أنّ الله تعالى أنزل قبل البقرة بضع عشرة سورة(٢٥) كذّب بكلها المشركون ثم أنزل سورة البقرة بعدها فقال: ذلِكَ الْكِتابُ يعني ما تقدم البقرة من القرآن.
وقيل: ذلِكَ الْكِتابُ الذي كذب به مالك بن الصيف اليهودي.
لا رَيْبَ فِيهِ: لا شكّ فيه، إنّه من عند الله.
قال: هُدىً: أي هو هدى، وتم الكلام عند قوله فِيهِ، وقيل: «هو» نصب على الحال، أي هاديا تقديره لا ريب في هدايته للمتقين.
قال أهل المعاني: ظاهره نفي وباطنه نهي، أي لا ترتابوا فيه، كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ(٢٦) : أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الهدى، والبيان وما يهتدي به ويستبين به الإنسان.

فصل في التقوى
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: اعلم أنّ التقوى أصله وقى(٢٧) من وقيت، فجعلت الواو تاء، كالتكلان فأصله وكلان من وكلت، والتخمة أصلها وخمة من وخم معدته إذا لم يستمرئ.
واختلف العلماء في معنى التقوى وحقيقة المتقي،
فقال رسول الله ﷺ‎: «جماع التقوى في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ...(٢٨) الآية»(٢٩) [62] .
قال ابن عباس: المتقي الذي يتقي الشرك والكبائر والفواحش.
وقال ابن عمر: التقوى أن لا يرى [نفسه] خيرا من أحد.
وقال الحسن: المتقي الذي يقول لكل من رآه هذا خير مني.
وقال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: حدّثني عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، وقال: فما عملت فيه؟ قال: حذرت وتشمّرت، فقال كعب: ذلك التقوى، ونظمه ابن المعتز فقال:
خلّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واضع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحتقرنّ صغيرة ... إنّ الجبال من الحصا(٣٠)
وقال عمر بن عبد العزيز: ليس التقوى قيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى ترك ما حرّم الله وأداء ما افترض الله، فما رزق بعد ذلك فهو خير على خير.
وقيل لطلق بن حبيب: أجمل لنا التقوى؟ فقال: التقوى عمل يطلبه الله على نور من الله رجاء ثواب الله، والتقوى ترك معصية الله على نور من الله مخافة عقاب الله.
وقال بكر بن عبد الله: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون يتقي الطمع، ويتقي الغضب.
وقال عمر بن عبد العزيز: المتقي لمحرم لا تحرم، يعني في الحرم.
وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك ما لا يأتمن به حذرا لما به بأس.
وروي عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: إنّما سمي المتقون؟ لتركهم ما لا بأس به حذرا للوقوع فيما به بأس(٣١) .
وقال سفيان الثوري والفضيل: هو الذي يحب للناس ما يحب لنفسه.
وقال الجنيد بن محمد: ليس المتقي الذي يحب الناس ما يحب لنفسه، إنّما المتقي الذي يحب للناس أكثر مما يحب لنفسه، أتدرون ما وقع لأستاذي سري بن المفلّس؟ سلّم عليه ذات يوم صديق له فردّ عليه، وهو عابس لم يبشّ له، فقلت له في ذلك فقال: بلغني أنّ المرء المسلم إذا سلّم على أخيه وردّ عليه أخوه قسمت بينهما مائة رحمة، فتسعون لأجلهما، وعشرة للآخر فأحببت أن يكون له التسعون.
محمد بن علي الترمذي: هو الذي لا خصم له.
السري بن المفلّس: هو الذي يبغض نفسه.
الشبلي: هو الذي يبغي ما دون الله.
قال جعفر الصادق: أصدق كلمة قالت العرب قول لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل(٣٢)
الثوري: هو الذي اتّقى الدنيا وأقلها.
محمد بن يوسف المقري: مجانبة كل ما يبعدك عن الله.
القاسم بن القاسم: المحافظة على آداب الشريعة.
وقال أبو زيد: هو التورّع عن جميع الشبهات.
وقال أيضا: المتقي من إذا قال قال لله، وإذا سكت سكت لله، وإذا ذكر ذكر لله تعالى.
الفضيل: يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوّه كما يأمنه صديقه.
وقال سهل: المتقي من تبرّأ من حوله وقوّته.
وقال: التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك.
وقيل: هو الاقتداء بالنبي ﷺ‎.
وقيل: هو أن تتقي بقلبك عن الغفلات، وبنفسك من الشهوات، وبحلقك من اللذات، وبجوارحك من السيئات، فحينئذ يرجى لك الوصول لما ملك الأرض والسموات.
أبو القاسم (حكيم) : هو حسن الخلق.
وقال بعضهم: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: بحسن التوكّل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما فات.
وقيل: المتقي من اتّقى متابعة هواه.
وقال مالك: حدثنا وهب بن كيسان أنّ بعض فقهاء أهل المدينة كتب إلى عبد الله بن الزبير أنّ لأهل التقى علامات يعرفون بها: الصبر عند البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر عند النعمة، والتذلل لأحكام القرآن.
وقال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون أشدّ محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر.
وقال أبو تراب: بين يدي التقوى عقبات، من لا يجاوزها لا ينالها، اختيار الشدة على النعمة، واختيار القول على الفضول، واختيار الذلّ على العزّ، واختيار الجهد على الراحة، واختيار الموت على الحياة.
وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلّا إذا كان بحيث لو جعل ما في قلبه على طبق، فيطاف به في السوق لم يستحي من شيء عليها.
وقيل: التقوى أن تزيّن سرّك للحقّ، كما تزيّن علانيتك للخلق.
وقال أبو الدرداء:
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلّا ما أرادا
يقول(٣٣) المرء فائدتي وذخري ... وتقوى الله أفضل ما استفادا(٣٤)
فصل في الإيمان
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ اعلم أنّ حقيقة الإيمان هي التصديق بالقلب، لأن الخطاب الذي توجّه عليها بلفظ آمنوا إنّما هو بلسان العرب، ولم يكن العرب يعرفون(٣٥) الإيمان غير التصديق، والنقل في اللغة لم يثبت فيه، إذ لو صح النقل عن اللغة لروي عن ذلك، كما روي في الصلاة التي أصلها الدعاء.
إذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نمتثل الأمر على ما يقتضيه لسانهم، كقوله تعالى في قصة يعقوب عليه السّلام وبنيه وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا(٣٦) : أي بمصدق لنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ، ويدل عليه من هذه الآية أنّه لما ذكر الإيمان علّقه بالغيب، ليعلم أنّه تصديق الخبر فيما أخبر به من الغيب، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات اللازمة للأبدان وفي الأموال فقال: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ والدليل عليه أيضا أنّ الله تعالى حيث ما ذكر الإيمان [نسبه](٣٧) إلى القلب فقال: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ(٣٨) ، وقال: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ»
، وقال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ(٣٩) ، ونحوها كثير.
فأما محل الإسلام من الإيمان فهو كمحل الشمس من الضوء: كل شمس ضوء، وليس كل ضوء شمسا(٤٠) ، وكل مسك طيب، وليس كل طيب مسكا، كذلك كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن تصديقا لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع، يدل عليه قوله تعالى:
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا(٤١) من خوف السيف،
وقول النبي ﷺ‎:
«الإيمان سرا»(٤٢) [63] وأشار إلى صدره «والإسلام علانية»(٤٣) [64]
، وقوله ﷺ‎: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه»(٤٤) [65] .
وكذلك اختلف جوابه لجبرائيل في الإسلام والإيمان، فأجاب في الإيمان بالتصديق، وفي الإسلام بشرائع الإيمان، وهو ما
روى أبو بريده، وهو يحيى بن معمر قال: أول من قال في القدر بالبصرة سعيد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فسألناه عما يقول هو: ما في القدر؟ فوافقنا عبد الله ابن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام لي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنّه قد ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن ويفتقرون [إلى](٤٥) العلم وذكر من لسانهم أنّهم يزعمون أن لا قدر، وأنّ الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنّهم برءاء مني، والذي يحلف به عبد الله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: أخبرنا أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ‎ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ‎ وأسند ركبته إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال رسول الله ﷺ‎: «الإسلام أن يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» ، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدّقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» ، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ، قال: فأخبرني عن إماراتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة شاهقون في البنيان» ، قال: ثم انطلق، فلبث علينا ثم قال: يا عمر من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّه جبرائيل عليه السّلام أتاكم ليعلمكم دينكم»(٤٦) .
ثم يسمى اقرار اللسان وأعمال الأبدان إيمانا بوجه من المناسبة وضرب من المقاربة لأنها من شرائعه وتوابعه وعلاماته وإماراته كما نقول: رأيت الفرح في وجه فلان، ورأيت علم زيد في تصنيفه وإنّما الفرج والعلم في القلب،
وقال رسول الله ﷺ‎: «الإيمان بضع وسبعون بابا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة(٤٧) أن لا إله إلّا الله» [66](٤٨) .
وعن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» [67](٤٩) .
الحسن بن علي قال: حدثني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ‎:
«الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان» [68](٥٠) .
وعن علي بن الحسين زين العابدين قال: حدثنا أبي سيد شباب أهل الجنة قال: حدثنا أبي سيد الأوصياء قال: حدثنا محمّد سيد الأنبياء قال: «الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول واتباع الرسول» [72](٥١) .
وامّا الغيب فهو ما كان مغيّبا عن العيون محصّلا في القلوب وهو مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب، كما قيل للصائم: صوم، وللزائر: زور، وللعادل: عدل.
الربيع بن أبي العالية يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: يؤمنون بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كلّه.
عمر بن الأسود عن عطاء بن أبي رباح: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: بالله، من آمن بالله فقد آمن بالغيب(٥٢) .
سفيان عن عاصم بن أبي النجود في قوله يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: الغيب: القرآن. وقال الكلبي: بما نزل من القرآن وبما لم يجيء بعد.
الضحاك: الغيب لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وما جاء به محمّد ﷺ‎، وقال زرّ بن حبيش وابن جريج وابن واقد: يعني بالوحي، نظيره قوله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى(٥٣) وقوله: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً(٥٤) وقوله: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ(٥٥) .
الحسن: يعني بالآخرة. عبد الله بن هاني: هو ما غاب عنهم من علوم القرآن.
وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) انه قال: كنت مع النبي ﷺ‎ جالسا فقال: «أتدرون أي أهل الأيمان أفضل؟» قالوا: يا رسول الله الملائكة، قال:
«هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم وقد أنزلهم الله تعالى بالمنزلة التي أنزلهم، بل غيرهم» .
قلنا: يا رسول الله الأنبياء؟ قال: «هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم، بل غيرهم» ، قلنا: يا رسول الله فمن هم؟ قال: «أقوام يأتون من بعدي هم في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يرونني، يجدون الورق المعلّق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا» [73](٥٦) .
وروى حسن إن الحرث بن قيس عن عبد الله بن مسعود: عند الله يحتسب ما سبقتمونا إليه يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله ﷺ‎، فقال عبد الله بن مسعود: نحن عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد ﷺ‎ ولم تروه، ثم قال عبد الله: إنّ أمر محمد كان بيّنا لمن رآه والذي لا اله الّا هو ما آمن مؤمن أفضل من إيمان الغيب، ثمّ قرأ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يديمونها ويأتمونها ويحافظون عليها بمواقيتها وركوعها وسجودها وحقوقها وحدودها، وكل من واظب على شيء وقام به فهو مقيم له يقال أقام فلان الحجّ بالناس، وأقام القوم [سوقهم](٥٧) ولم يعطلوها قال الشاعر:
فلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلّى عصاك [كمستديم](٥٨)
أي أراد بالصلاة هاهنا الصلوات الخمس، فذكرها بلفظ الواحد، كقوله: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ(٥٩) أراد الكتب، وأصل الصلاة في اللغة: الدّعاء، ثمّ ضمّت إليها [عبادة] سميت مجموعها صلاة لأن الغالب على هذه العبادة الدّعاء.
وقال أبو حاتم الخارزمي: اشتقاقها من الصّلا وهو النار، فأصله من الرفق وحسن المعاناة للشيء وذلك إنّ الخشبة المعوجّة إذا أرادوا تقويمها [سحنوها بالنار] قوموها [بين خشبتين] فلذلك المصلّي ينبغي أن يتأنى في صلاته ويحفظ حدودها ظاهرا وباطنا ولا يعجّل فيها ولا يخفّ [ولا يعرف] قال الشاعر:
فلا تعجّل بأمرك واستدمه ... فما صلّى عصاك كمستديم
أي ما قوّم أمرك كالمباني.
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم، والرزق عند أهل السنّة: ما صحّ الانتفاع به، فإن كان طعاما فليتغدّى به، وان كان لباسا فلينقى والتوقي، وإن كان مسكنا فللانتفاع به سكنى، وقد ينتفع المنتفع بما هيّئ الانتفاع به على الوجهين: حلالا وحراما، فلذلك قلنا إنّ الله رزق الحلال والحرام، [وأصل الرزق] في اللغة: هو الحظ والبخت.
يُنْفِقُونَ يتصدقون، وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد أو عن الملك. يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه وأسرع خروجه، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها، ونافقاء اليربوع من ذلك لأنه إذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وأنفق إن خرج منه(٦٠) ، والنفق: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر يخرج إليه.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ: أي يصدّقون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يا محمد يعني القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ: يعني الكتب المتقدمة مثل صحف إبراهيم وموسى والزّبور والإنجيل وغيرها.
وَبِالْآخِرَةِ أي بالدار الآخرة، وسمّيت آخرة لأنّها تكون بعد الدّنيا ولأنّها أخّرت حتى تفنى الدنيا ثم تكون.
هُمْ يُوقِنُونَ يعلمون ويتيقّنون أنها كائنة، ودخل (هُمْ) تأكيدا، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا.
أُولئِكَ أهل هذه الصفة، وأولاء: اسم مبني على الكسر، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب، ومحل أُولئِكَ رفع بالابتداء وخبره في قوله: عَلى هُدىً رشد وبيان وصواب. مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ ابتدائان وهُمُ عماد الْمُفْلِحُونَ خبر الابتداء وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار، وقيل: هم الباقون في الثواب والنعيم المقيم.
وأصل الفلاح في اللغة: البقاء. قال لبيد:
نحلّ بلادا كلها حل قبلنا ... ونرجو فلاحا بعد عاد وحمير(٦١)
وقال آخر:
لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح
أبو براء يدرة المسياح(٦٢)
وقال مجاهد: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدهما نزلت في الكافرين، وثلاث عشرة آية بعدها نزلت في المنافقين.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: يعني مشركي العرب، وقال الضحّاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته. وقال الكلبي: يعني اليهود، وقيل: المنافقون.
والكفر: هو الجحود والإنكار.
وأصله من الكفر وهو التغطية والسّتر، ومنه قيل للحراث: كافر لأنّه [يستر البذر] ، قال الله تعالى: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ(٦٣) : يعني الزرّاع، وقيل للبحر: كافر، ولليل: كافر. قال لبيد:
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها(٦٤)
في ليلة كفر النجوم غمامها(٦٥) ومنه: المتكفّر بالسلاح، وهو الشاكي الذي غطّى السلاح جميع بدنه.
فيسمى الكافر كافرا لأنه ساتر للحق ولتوحيد الله ونعمه ولنبوّة أنبيائه.
سَواءٌ عَلَيْهِمْ: أي واحد عليهم ومتساوي لديهم، وهو اسم مشتق من التساوي.
أَأَنْذَرْتَهُمْ: أخوّفتهم وحذّرتهم.
قال أهل المعاني: الإنذار والإعلام مع تحذير، يقال: أنذرتهم فنذروا، أي أعلمتهم فعلموا، وفي المثل: وقد أعذر من أنذر، وفي قوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ وأخواتها أربع قراءات:
تحقيق الهمزتين وهي لغة تميم وقراءة أهل الكوفة لأنها ألف الاستفهام دخلت على ألف القطع وحذف الهمزة التي وصلت بفاء الفعل وتعويض مده منها كراهة الجمع بين الهمزتين وهي لغة أهل الحجاز، وإدخال ألف بين الهمزتين وهي قراءة أهل الشام في رواية هشام وإحدى الروايتين عن أبي عمرو.
قال الشاعر:
تطاولت فاستشرقت قرابته ... فقلن له: أأنت زيد لا بل قمر(٦٦)
والأخبار اكتفاء بجواب الاستفهام، وهي قراءة الزهري.
أَمْ: حرف عطف على الاستفهام.
لَمْ: حرف جزم لا يلي إلّا الفصل لأنّ الجزم مختص بالأفعال.
تُنْذِرْهُمْ: تحذرهم لا يُؤْمِنُونَ وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، وظاهرها إنشاء ومعناها إخبار، ثمّ ذكر سبب تركهم للإيمان فقال:
خَتَمَ اللَّهُ: أي طبع عَلى قُلُوبِهِمْ والختم والطبع بمعنى واحد وهما التغطية للشيء [والاستيثاق](٦٧) من أن يدخله شيء آخر.
فمعنى الآية: طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبرا ولا تفهمه. يدل عليه قوله: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها(٦٨) .
وقال بعضهم: معنى الطبع والختم: حكم الله عليهم بالكفر والشقاوة كما يقال للرجل:
ختمت عليك أن لا تفلح أبدا.
وَعَلى سَمْعِهِمْ: فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وإنما وحّده لأنه مصدر، والمصادر لا تثنّى ولا تجمع، وقيل: أراد سمع كل واحد منهم كما يقال: آتني برأس كبشين، أراد برأس كل واحد منهما، قال الشاعر:
كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص(٦٩)
وقال سيبويه: توحيد السمع يدل على الجمع لأنه لا توحيد جمعين كقوله تعالى:
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ»
يعني الأنوار.
قال الراعي:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب(٧٠)
وقرأ ابن عبلة: وعلى أسماعهم، وتم الكلام عند قوله وَعَلى سَمْعِهِمْ.
ثم قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ: أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق، ومنه غاشية السرج، وقرأ المفضل بن محمد الضبي: غِشاوَةً بالنصب كأنّه أضمر له فعلا أو جملة على الختم: أي وختم على أبصارهم غشاوة. يدل عليه قوله تعالى: وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً(٧١) .
وقرأ الحسن: غُشاوَةٌ بضم الغين، وقرأ الخدري: غَشاوَةٌ بفتح الغين، وقرأ أصحاب عبد الله: غشوة بفتح الغين من غير ألف.
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: القتل والأسر في الدنيا، والعذاب الأليم في العقبى، والعذاب كلّ ما يعنّي الإنسان ويشقّ عليه، ومنه: عذّبه السواط ما فيها من وجود الألم، وقال الخليل:
العذاب ما يمنع الإنسان من مراده، ومنه: الماء العذب لأنه يمنع من العطش، ثم نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، ومعتب بن بشر، وجدّ بن قيس وأصحابهم حين قالوا: تعالوا إلى خلة نسلم بها من محمد وأصحابه ونكون مع ذلك مستمسكين بديننا، فأجمعوا على أن يقرّوا كلمة الإيمان بألسنتهم واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود. فقال الله:

(١) كنز العمّال: 1/ 565، ح 2549.
(٢) مسند أحمد: 5/ 352.
(٣) سنن الترمذي: 4/ 234، بتفاوت.
(٤) سورة الحجر: 1.
(٥) سورة الدخان: 1.
(٦) سورة القلم: 1.
(٧) في المخطوط: وهي.
(٨) سورة المرسلات: 48.
(٩) سورة العلق: 19.
(١٠) سورة آل عمران: 182.
(١١) تفسير الطبري: 1/ 132، ولسان العرب: 10/ 480.
(١٢) شرح شافية ابن الحاجب: 4/ 264، والبيت الأوّل موجود في تفسير القرطبي: 1/ 155.
(١٣) تفسير القرطبي: 1/ 156.
(١٤) لسان العرب: 1/ 164 وفيه: تفليني وا.
(١٥) لسان العرب: 15/ 288.
(١٦) لسان العرب: 698.
(١٧) شرح الرضي على الكافية: 1/ 68.
(١٨) كلمة غير مقروءة.
(١٩) في الأصل: حرف حرف.
(٢٠) جامع البيان للطبري: 3/ 341.
(٢١) الصحاح: 1/ 208.
(٢٢) سورة الأنعام: 83.
(٢٣) لسان العرب: 3/ 302.
(٢٤) جامع البيان للطبري: 1/ 143.
(٢٥) في المخطوط: سورا.
(٢٦) سورة البقرة: 197.
(٢٧) في المخطوط: وقوي.
(٢٨) سورة النحل: 90.
(٢٩) تفسير مجمع البيان: 1/ 82.
(٣٠) تفسير القرطبي: 1/ 162.
(٣١) تفسير مجمع البيان: 1/ 83.
(٣٢) لسان العرب: 5/ 351.
(٣٣) في المخطوط: ويقول.
(٣٤) الدرّ المنثور: 1/ 25.
(٣٥) في المخطوط: يعرف.
(٣٦) سورة يوسف: 17.
(٣٧) زيادة اقتضاها السياق.
(٣٨) سورة المائدة: 41.
(٣٩) سورة المجادلة: 22.
(٤٠) في المخطوط: شمس.
(٤١) سورة الحجرات: 14.
(٤٢) تفسير مجمع البيان: 1/ 86.
(٤٣) تفسير مجمع البيان: 1/ 86.
(٤٤) كنز العمّال: 3/ 585، ح 8021.
(٤٥) زيادة اقتضاها السياق.
(٤٦) صحيح مسلم: 1/ 28- 29 بطوله.
(٤٧) في المصدر: وارفعها قول.
(٤٨) مسند أحمد: 2/ 445، وكنز العمّال: 1/ 36.
(٤٩) صحيح مسلم: 1/ 46.
(٥٠) المعجم الأوسط: 6/ 226.
(٥١) تفسير مجمع البيان: 1/ 86.
(٥٢) تفسير ابن كثير: 1/ 43.
(٥٣) سورة النجم: 35.
(٥٤) سورة الجن: 26.
(٥٥) سورة التكوير: 24.
(٥٦) مسند أبي يعلى: 1/ 147.
(٥٧) زيادة عن تفسير الطبري: 1/ 152 والمخطوط ممسوح.
(٥٨) تاج العروس: 8/ 295.
(٥٩) سورة البقرة: 213.
(٦٠) راجع كتاب العين: 5/ 178.
(٦١) تفسير الطبري: 1/ 182.
(٦٢) تاج العروس: 2/ 146 لسان العرب: 2/ 454 وفيه: (أبا براء مدرة السياح) ، والمسياح: من يسيح بالنميمة والشر في الأرض.
(٦٣) سورة الحديد: 20.
(٦٤) لسان العرب: 5/ 147.
(٦٥) جامع البيان للطبري: 1/ 162.
(٦٦) كذا في المخطوط، ولم نجده.
(٦٧) المخطوط غير مقروء وما أثبتناه من تفسير القرطبي: 1/ 186.
(٦٨) سورة محمد: 24.
(٦٩) زاد المسير: 1/ 22.
(٧٠) قائله علقمة بن عبدة راجع ديوانه: 27 وتفسير الطبري: 4/ 324.
(٧١) سورة الجاثية: 23.

البحر المحيط — أبو حيان (٧٤٥ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ الَّذِينَ ذَكَرُوا في إعْرابِهِ الخَفْضَ عَلى النَّعْتِ لِلْمُتَّقِينَ، أوِ البَدَلَ والنَّصْبَ عَلى المَدْحِ عَلى القَطْعِ، أوْ بِإضْمارِ أعْنِي عَلى التَّفْسِيرِ، قالُوا: أوْ عَلى مَوْضِعِ المُتَّقِينَ، تَخَيَّلُوا أنَّ لَهُ مَوْضِعًا وأنَّهُ نُصِبَ، واغْتَرُّوا بِالمَصْدَرِ فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ عُدِّيَ بِاللّامِ، والمَصْدَرُ هُنا نابَ عَنِ اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَعْمَلُ، وإنْ عَمِلَ اسْمُ الفاعِلِ، وأنَّهُ بَقِيَ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ فَلا يَعْمَلُ؛ لِأنَّهُ هُنا لا يَنْحَلُّ بِحَرْفِ مَصْدَرٍ وفِعْلٍ، ولا هو بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ بَلْ لِلْمُتَّقِينَ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ هُدًى، أيْ هُدًى كائِنٌ لِلْمُتَّقِينَ، والرَّفْعُ عَلى القَطْعِ أيْ هُمُ الَّذِينَ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

التفسير البسيط — الواحدي (٤٦٨ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه السورة نزلت في جميع المؤمنين(١) سواء كانوا من العرب، أو من أهل الكتاب.
فعلى هذا القول (الواو) في قوله ﴿وَالَّذِينَ﴾ لتعديد صفاتهم، فهو عطف صفة على صفة، والموصوف واحد(٢)، كما قال:
إلى الملكِ القَرْم وابنِ(٣) الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدحَمْ(٤)
ولم يرد إلا شخصا واحدا.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وابن مسعود في رواية مرة(٥): (إن آيتين من أول السورة نزلتا في مؤمني العرب، والآيتان بعدهما نزلتا في مؤمني أهل الكتاب)، لأنه لم يكن للعرب كتاب كانوا مؤمنين به قبل محمد ﷺ(٦).
فعلى هذا (الواو)(٧) لعطف مؤمني أهل الكتاب على مؤمني العرب(٨).
وقوله تعالى: ﴿إِليْكَ﴾ الأصل في (إليك) و (عليك): (إلاك) و (علاك)، كما تقول: إلى زيد، وعلى زيد، إلا أن (الألف) غيرت مع الضمير(٩)، وأبدلت (ياء) ليفصل بين (الألف) التي في آخر المتمكنة مثل: القفا والعصا، وبين الألف في أواخر غير المتمكنة [التي](١٠) الإضافة لازمة لها، ألا ترى أن (إلى) و (على) و (لدى)(١١) لا تنفرد من الإضافة(١٢).
وقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾. دخلت (هم) توكيدًا، يسميه الكوفيون: عمادا، والبصريون: فصلاً(١٣).
و ﴿يُوقِنُونَ﴾ أصله (يُيْقِنون)، لأنه (يُفْعِلون) من اليَقين، فلما سكنت (الياء) وانضم ما قبلها صارت (واوا)(١٤)، كما صارت (الواو) (ياء) لكسرة ما قبلها(١٥) في قولك: إيثاق وإيشال(١٦) وميثاق وميعاد.
واليقين: هو العلم الذي يحصل بعد(١٧) استدلال ونظر، لغموض المنظور(١٨) فيه أو لإشكاله على الناظر(١٩)، يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75] ولذلك(٢٠) لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، لأن علمه لم يحصل عن نظر واستدلال(٢١).
ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد. ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَناً فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين(٢٢).
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد(٢٣)، لأن الإيقان بالآخرة داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على التفسير الأول في(٢٤) (الغيب)(٢٥) ومثل هذا قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)﴾ [العلق: 1، 2] عمَّ بقوله: ﴿خَلَقَ﴾ جميع المخلوقات، ثم خص بعد.

(١) الأثر عن مجاهد أخرجه الطبري 1/ 103، وذكره الثعلبي 1/ 47ب، وابن كثير، وقال: قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة 1/ 46.
(٢) انظر: "الطبري" 1/ 107، و"ابن كثير" 1/ 46، "الكشاف" 1/ 133، 135.
(٣) في (ج): (بن).
(٤) البيت غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء1/ 105، و"الثعلبي" 1/ 73 أ، "الكشاف" 1/ 133، و"القرطبي" 1/ 328، وابن كثير 1/ 46، "خزانة الأدب" 1/ 451 ، 5/ 107 ،6/ 91، "البحر" 1/ 202، "الدر المصون" 1/ 97.
القرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويسمى السيد من الناس قرما، والهُمام: من أسماء الملوك، لعظم همتهم، أو لأنه إذا هم بأمر فعله، والكتيبة. الجيش، المزدحم. المعركة، لأنها موضع المزاحمة والمدافعة.
(٥) ذكره ابن جرير بسنده من طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ 1/ 105 - 106، وانظر ابن كثير 1/ 46. وأبو صالح هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، اسمه (باذان) تابعي وثقه أكثرهم. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 2/ 431، "تهذيب التهذيب" 1/ 211. ومُرَّة هو مُرَّة بن شراحيل الهمداني الكوفي، من كبار التابعين ثقة. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 8/ 366، "تهذيب التهذيب" 4/ 48. وقد تكلم أحمد شاكر كلامًا جيدًا وأطال حول هذا الإسناد في حاشية الطبري 1/ 156 - 159 (ط. شاكر). أفاد فيه أن للسدي كتابا في التفسير جمع فيه مفرق == هذِه التفاسير عن الصحابة الذين ذكرهم، ذكر في أوله هذِه الأسانيد، "تفسيره" من أوائل الكتب التي ألفت في هذا وهو من طبقةِ عالية من طبقة شيوخ مالك.
(٦) ذكره ابن جرير واستدل على هذا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وذكر قولا ثالثا. أن الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة. وقد رجح أن الآيتين من أول السورة في مؤمني العرب، والآيتين بعدهما في مؤمني أهل الكتاب. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 102، 106، 107.
ورجَّح ابن كثير في "تفسيره" قول مجاهد 1/ 47.
(٧) (الواو) ساقطة من (ب).
(٨) انظر: "الكشاف" 1/ 135.
(٩) في (ب): (المضمر) ومثله عند الزجاج في "المعاني" 1/ 37.
(١٠) في جميع النسخ (إلى) وفي "معاني القرآن" للزجاج (التي) والكلام بنصه منقول منه 1/ 37.
(١١) في (ب): (لدن).
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج1/ 37.
(١٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 47 ب، ويجوز: في (هم) أن تكون ابتداءً ثانيًا == للتوكيد و (المفلحون) خبره، والجملة خبر (أولئك) ويجوز: أن يكون (هم) عمادًا، أو فصلاً. انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 133.
(١٤) انظر: "الكتاب" 4/ 338، "سر صناعة الإعراب" 2/ 584، وقال العكبري: (أصله (يؤيقنون) لأن ماضيه (أيقن) والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي، إلا أن الهمزة حذفت لما ذكرنا في (يؤمنون) وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها) (الإملاء) 1/ 13.
(١٥) مع سكون (الياء) انظر "الكتاب" 4/ 335، "سر صناعة الإعراب" 2/ 732.
(١٦) في (ب): (اسياق) ولم أجدها فيما اطلعت عليه من كتب اللغة.
(١٧) في (ب): (به).
(١٨) في (ب): (المقصود).
(١٩) قال ابن عطية: (اليقين أعلى درجات العلم وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه) 1/ 149، وعرفه الراغب فقال: (هو سكون الفهم مع ثبات الحكم) مفردات الراغب ص 552. وانظر كتاب "معرفة أسماء نطق بها القرآن" 2/ 618 (رسالة ماجستير)، "تفسير الرازي" 2/ 32، 35.
(٢٠) في (ب): (وكذلك).
(٢١) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 32. ومذهب السلف: أن الله لا يوصف بذلك لعدم ورود النص به.
(٢٢) انظر: "العين" 5/ 220، "تهذيب اللغة" (يقن) 4/ 49983، "اللسان" (يقن) 98/ 4964.
(٢٣) هو ما سبق من قوله: إن الآيات الأربع في جميع المؤمنين. انظر ص 445.
(٢٤) التفسير الأول للغيب هو ما ذكره عن أبي العالية. يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث بعد الموت.
(٢٥) في (أ)، (ب): (للغيب).


إرشاد العقل السليم — أبو السعود (٩٨٢ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ - عَلى تَقْدِيرَيْ وصْلِهِ بِما قَبْلَهُ؛ وفَصْلِهِ عَنْهُ -؛ مُنْدَرِجٌ مَعَهُ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ - مِن حَيْثُ الصُّورَةُ والمَعْنى مَعًا؛ أوْ مِن حَيْثُ المَعْنى فَقَطِ -؛ انْدِراجَ خاصَّيْنِ تَحْتَ عامٍّ؛ إذِ المُرادُ بِالأوَّلِينَ: الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الشِّرْكِ والغَفْلَةِ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ؛ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ بِالغَيْبِ؛ وبِالآخِرِينَ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالقرآن بَعْدَ الإيمان بالكُتُبِ المُنْزَلَةِ قَبْلُ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ أوْ عَلى "المُتَّقِينَ"؛ عَلى أنْ يُرادَ بِهِمُ الأوَّلُونَ خاصَّةً؛ ويَكُونَ تَخْصِيصُهم بِوَصْفِ الِاتِّقاءِ لِلْإيذانِ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ حالَتِهِمُ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ؛ لِما فِيها مِن كَمالِ القَباحَةِ؛ والمُبايَنَةِ لِلشَّرائِعِ كُلِّها؛ المُوجِبَةِ لِلِاتِّقاءِ عَنْها؛ بِخِلافِ الآخِرِينَ؛ فَإنَّهم غَيْرُ تارِكِينَ لِما كانُوا عَلَيْهِ بِالمَرَّةِ؛ بَلْ مُتَمَسِّكُونَ بِأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ كِلا المَوْصُولَيْنِ عِبارَةً عَنِ الكُلِّ مُنْدَرِجًا تَحْتَ "المُتَّقِينَ"؛ ولا يَكُونُ تَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ الذَّواتِ بَلْ لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

وَقَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصْـ ∗∗∗ صابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ

لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الإيمانِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الغائِبَةِ؛ والإيمانِ بِما يَشْهَدُ بِثُبُوتِها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ؛ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ؛ ولا يُجْعَلَ أحَدُهُما تَتِمَّةً لِلْآخَرِ؛ وقَدْ شُفِعَ الأوَّلُ بِأداءِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ اللَّتَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ الشَّرائِعِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ تِلْكَ الأُمُورِ المُؤْمَنِ بِها؛ تَكْمِلَةً لَهُ؛ فَإنَّ كَمالَ العِلْمِ العَمَلُ؛ وقُرِنَ الثّانِي بِالإيقانِ بِالآخِرَةِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُنْطَوِيًا تَحْتَ الأوَّلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ صِحَّتِهِ؛ وتَعْرِيضًا بِما في اعْتِقادِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِنَ الخَلَلِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الباءِ بِالإيمانِ؛ وقِسْ عَلَيْهِ الحالَ عِنْدَ تَعَلُّقِها بِالمَحْذُوفِ؛ فَإنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ الغَيْبِيِّ المَشْفُوعِ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِبادَتَيْنِ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ والإيمان بالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الشّارِحَةِ لِتَفاصِيلِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها مَقْرُونًا بِما قُرِنَ - فَضِيلَةٌ باهِرَةٌ؛ مُسْتَدْعِيَةٌ لِما ذُكِرَ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ؛ وقَدْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِما يُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً؛ والإتْيانِ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ؛ وبَيْنَ الإيمانِ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ غَيْرُ السَّمْعِ. وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَغايُرِ القَبِيلَيْنِ؛ وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ؛ فَلْيُتَأمَّلْ؛ وأنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ الثّانِي بَعْدَ انْدِراجِ الكُلِّ في الأوَّلِ فَرِيقٌ خاصٌّ مِنهُمْ؛ وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ؛ بِأنْ يُخَصُّوا بِالذِّكْرِ تَخْصِيصَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بِهِ؛ إثْرَ جَرَيانِ ذِكْرِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ؛ وتَرْغِيبًا لِأمْثالِهِمْ وأقْرانِهِمْ في تَحْصِيلِ ما لَهم مِنَ الكَمالِ. والإنْزالُ: النَّقْلُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ؛ وتَعَلُّقُهُ 
بِالمَعانِي إنَّما هو بِتَوَسُّطِ تَعَلُّقِهِ بِالأعْيانِ المُسْتَتْبِعَةِ لَها؛ فَنُزُولُ ما عَدا الصُّحُفَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ - بِأنْ يَتَلَقّاها المَلَكُ مِن جَنابِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَلَقِّيًا رُوحانِيًّا؛ أوْ يَحْفَظَها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ فَيَنْزِلَ بِها إلى الرُّسُلِ؛ فَيُلْقِيَها عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُرادُ بِـ " ما أُنْزِلَ إلَيْكَ "؛ هو القرآن بِأسْرِهِ؛ والشَّرِيعَةُ عَنْ آخِرِها؛ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالماضِي - مَعَ كَوْنِ بَعْضِهِ مُتَرَقَّبًا حِينَئِذٍ - لِتَغْلِيبِ المُحَقَّقِ عَلى المِقْدارِ؛ أوْ لِتَنْزِيلِ ما في شَرَفِ الوُقُوعِ لِتَحَقُّقِهِ مَنزِلَةَ الواقِعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾؛ مَعَ أنَّ الجِنَّ ما كانُوا سَمِعُوا الكِتابَ جَمِيعًا؛ ولا كانَ الجَمِيعُ إذْ ذاكَ نازِلًا؛ وبِـ "ما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ"؛ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ؛ وسائِرُ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِقَصْدِ الإيجازِ؛ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالتَّفْصِيلِ؛ حَسَبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ الآيَةُ.. والإيمان بالكُلِّ جُمْلَةً فَرْضٌ؛ وبِالقرآن تَفْصِيلًا - مِن حَيْثُ إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِتَفاصِيلِهِ - فَرْضُ كِفايَةٍ؛ فَإنَّ في وُجُوبِهِ عَلى الكُلِّ عَيْنًا حَرَجًا بَيِّنًا؛ وإخْلالًا بِأمْرِ المَعاشِ. وبِناءُ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ؛ والجَرْيِ عَلى شَأْنِ الكِبْرِياءِ؛ وقَدْ قُرِئا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾: الإيقانُ: إتْقانُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ؛ بِنَفْيِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ؛ ولِذَلِكَ لا يُسَمّى عِلْمُهُ (تَعالى) يَقِينًا؛ أيْ: يَعْلَمُونَ عِلْمًا قَطْعِيًّا مُزِيحًا لِما كانَ أهْلُ الكِتابِ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكُوكِ والأوْهامِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها زَعْمُهم أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ. واخْتِلافُهم في أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ هَلْ هو مِن قَبِيلِ نَعِيمِ الدُّنْيا؛ أوْ لا؛ وهَلْ هو دائِمٌ؛ أوْ لا؛ وفي تَقْدِيمِ الصِّلَةِ؛ وبِناءِ "يُوقِنُونَ" عَلى الضَّمِيرِ تَعْرِيضٌ بِمَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ اعْتِقادَهم في أُمُورِ الآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّحَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ. والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخِرِ؛ كَما أنَّ الدُّنْيا تَأْنِيثُ الأدْنى؛ غَلَبَتا عَلى الدّارَيْنِ؛ فَجَرَتا مُجْرى الأسْماءِ؛ وقُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ؛ وقُرِئَ "يُؤْقِنُونَ"؛ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً؛ إجْراءً لِضَمِّ ما قَبْلَها مُجْرى ضَمِّها في "وُجُوهٌ"؛ و"وُقِّتَتْ"؛ ونَظِيرُهُ ما في قَوْلِهِ:
لَحَبُّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗ وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ
الكشاف — الزمخشري (٥٣٨ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
فإن قلت: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ أهم غير الأوّلين أم هم الأوّلون؟ وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي قوله:
إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ(١)
وقوله:
يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ ... الصَّابِحِ فالغَانِم فَالْآيِبِ؟(٢)
قلت: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا، فاشتمل إيمانهم على كل وحى أنزل من عند اللَّه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واجتماعهم على الإقرار(٣) بالنشأة الأخرى وإعادة الأرواح في الأجساد، ثم افتراقهم فرقتين: منهم من قال: تجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور، واختلافهم في الدوام والانقطاع، فيكون المعطوف غير المعطوف عليه. ويحتمل أن يراد وصف الأوّلين. ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه. فإن قلت: فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فهل يدخلون في جملة المتقين أم لا؟. قلت: إن عطفتهم على (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمنى أهل الكتاب وغيرهم. وإن عطفتهم على (لِلْمُتَّقِينَ) لم يدخلوا. وكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك.
فإن قلت: قوله بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ إن عنى به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، فلم يكن ذلك منزلا وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضىّ؟ وإن أريد المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب. قلت: المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضىّ وإن كان بعضه مترقباً، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، كما بغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب فيقال:
أنا وأنت فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله، ويدل عليه قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى) ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا، ولكن سبيله سبيل ما ذكرنا. ونظيره قولك:
كل ما خطب به فلان فهو فصيح، وما تكلم بشيء إلا وهو نادر. ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي، لكونه معقوداً بعضه ببعض، ومربوطا آتيه بماضيه. وقرأ يزيد بن قطيب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على لفظ ما سمى فاعله. وفي تقديم (بِالْآخِرَةِ) وبناء (يُوقِنُونَ) على: (هُمْ) تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأوّل، وهي صفة الدار بدليل قوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام، كقوله (دَابَّةُ الْأَرْضِ) وقرأ أبو حية(٤) النميري (يوقنون) بالهمز، جعل الضمة في جار الواو كأنها فيه، فقلبها قلب واو «وجوه» و «وقتت» . ونحوه:
لَحُبَّ المُؤْقِدَانِ إلَىَّ مُؤْسَى ... وَجَعدَةُ إذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ(٥)

(١) الجار والمجرور متعلق بما قبله في الشعر. والقرم- بالفتح- في الأصل: الفحل المكرم الذي يعفى من العمل لتقديمه وتشويقه إلى ضراب الإبل، استعاره للسيد الرئيس أو للفارس المعد للمكاره. وظاهر القاموس أنه بمعنى السيد حقيقة. ووسط الواو بين النعوت لتوكيد ربطها بالمنعوت. والهمام: العظيم الهمة، النافذ العزيمة.
واستعار لليث للشجاع على طريق التصريح. والكتيبة: الجيش المنضم المنتظم. والمزدحم: المعركة لأنها محل الازدحام، وأصله «مزتحم» من الافتعال قلبت تاؤه دالا.
(٢) يا لهف زيابة للحارث ... الصابح فالغانم فالآيب
واللَّه لو لاقيته خاليا ... لآب سيفانا مع الغالب
لابن زيابة في جواب الحرث بن هشام حين قال له:
أيا ابن زيابة إن تلقني ... لا تلقني في النعم العازب
وتلقني يشد بى أجرد ... مستقدم البركة كالراكب
والعازب- بالزاي- البعيد عن أهله. يعرض بأن زيابة يراع للنعم لا شجاع. والأجرد: المنجرد الشعر. والبركة في البعير والفرس: العظم الناتئ في صدرهما وعظمه ممدوح فيهما، وشبهه بالراكب في طول عنقه وامتداده ويجوز أن المعنى أن راكبه أيضا مستقدم البركة لا متخشع منكمش. يقول: يا حسرة أبى على من أجل الحارث الذي بلغ مراده منى. وفيه ضرب من التهكم فان كان توعده ثم نكص على عقبيه. وقيل: هو على ظاهره، ثم حلف أنه لو وجده لقتله، ولكنه أبرز الكلام في صورة الإيهام للانصاف في الكلام ورجوع السيفين مع الغالب: كناية عن قتل المغلوب واستلاب سلاحه.
(٣) قوله «واجتماعهم على الإقرار» لعله عطف على مجرور «من» البيانية، باعتبار ما عطف عليه من افتراقهم واختلافهم الآتيين فتدبر. (ع)
(٤) قوله «وقرأ أبو حية» لعله: أبو حيوة. (ع)
(٥) لجرير في مدح هشام بن عبد الملك وموسى ابنه وجعدة بنته، وقيل ابنه أيضا وليس كذلك. واللام للقسم. وحب أصله حبب- كظرف- نقلت حركة الباء إلى الحاء ثم أدغمت في الأخرى. ومعناه: إنشاء المدح كنعم، ويفيد التعجب أيضا ك «مأحبه» . وقد تفتح حاؤه إذا كان فاعله ذا والمؤقدان بالهمز فاعل. ومؤسى بالهمز أيضا. وجعدة المخصوص بالمدح على طريقة: نعم لرجل زيد. و «حب» : محول من «حب» الثلاثي كضرب، وإن كان الكثير «أحب» الرباعي لأنه لا يصاغ للمدح إلا من الثلاثي. فان قلت: أهو محول من «حب» المسند للفاعل، أم من «حب» المبنى للمجهول؟ قلت: إن كان من المسند للفاعل فالمؤقدان محبوبان، وإن كان من المسند للمفعول فالتحويل تقديري. فالظاهر أنه مصوغ من المادة من غير ملاحظة إسناد. ويجوز أن «حب» أصله «حبب» - كضرب مبنى للمجهول- فالمؤقدان نائب فاعل، ومؤسى وجعدة بدل أو بيان. والمعنى على الخبر لا الإنشاء. وروى:
أحب الموقدين، باضافة أفعل التفضيل إلى صيغة الجمع فمؤسى وجعدة خبر. وسوغ قلب واو الموقدين وموسى همزة، ضم ما قبلها، فكأنها مضمومة، وهي إذا ضمت تبدل همزة. ويقال: أضاء المكان وأضاءه السراج. وما هنا من الثاني، فهو متعد بمعنى أنارهما الوقود بالضم: أى توقد نار القرى وتلتهبنها، وأما بالفتح فهو ما توقد.
به. وأصل فعول أنه مبالغة في الفاعل كضروب، وكثر بمعنى ما يفعل به الفعل كوقود وسحور، فيحتمل أنه من قبيل اسم المفعول، وأنه من قبيل اسم الآلة شذوذاً. والمعنى: ما أحبهما إلى وقت بأن أظهرتهما النار التي يوقدانها لقرى الأضياف

تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قبلك﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور؛ يصدقون بِهَا وَلا يعْملُونَ إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآن

تفسير القرآن العظيم مسندًا — ابن أبي حاتم الرازي (٣٢٧ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٤]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ آيَةُ: ٤
[٨٠] حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، أنْبَأ أبُو غَسّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو زُنَيْجٌ، ثَنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: فِيما حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ مِنَ اللَّهِ، وما جاءَ بِهِ مَن قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهم ولا يَجْحَدُونَ بِما جاءُوهم بِهِ مِن رَبِّهِمْ.
[٨١] حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى أنْبَأ العَبّاسُ بْنُ الوَلِيدِ، ثَنا يَزِيدُ، ثَنا سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَآمَنُوا بِالفُرْقانِ وبِالكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ مِنَ التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾
[٨٢] حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى أنْبَأ أبُو غَسّانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، ثَنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: فِيما حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ أيْ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ. أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَكَ مِن رَبِّكَ.
[٨٣] حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ، ثَنا عَمْرُو بْنُ حَمّادٍ، ثَنا أسْباطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ.


الدر المنثور — جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ)

﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ (٤) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ٤-٥]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وما جاءَ بِهِ مَن قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، ولا يَجْحَدُونَ ما جاءُوهم بِهِ مِن رَبِّهِمْ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ أيْ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ أيْ: لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَكَ مِن رَبِّكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالَ: هو الفُرْقانُ الَّذِي فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيِ الكُتُبُ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ قالَ: اسْتَحَقُّوا الهُدى والفَلاحَ بِحَقٍّ، فَأحَقَّهُ اللَّهُ لَهُمْ، وهَذا نَعْتُ أهْلِ الإيمانِ، ثُمَّ نَعَتَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] الآيَتَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في ”زَوائِدِ المُسْنَدِ“، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّعَواتِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ لِي أخًا وبِهِ وجَعٌ. قالَ: وما وجَعُهُ؟ قالَ: بِهِ لَمَمٌ. قالَ: فائْتِنِي بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعَوَّذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفاتِحَةِ الكِتابِ وأرْبَعِ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ وهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] [البَقَرَةِ: ١٦٣] وآيَةِ الكُرْسِيِّ وثَلاثِ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ وآيَةٍ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] [ آلِ عِمْرانَ: ١٨] وآيَةٍ مِنَ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] [ الأعْرافِ: ٥٤] وآخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] [ المُؤْمِنُونَ: ١١٦] وآيَةٍ مِن سُورَةِ الجِنِّ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣] [ الجِنِّ: ٣] وعَشْرِ آياتٍ مِن أوَّلِ الصّافّاتِ، وثَلاثِ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [ الإخْلاصِ: ١] و”المُعَوِّذَتَيْنِ“ فَقامَ الرَّجُلُ كَأنَّهُ لَمْ يَشْكُ قَطُّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في ”عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ“ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى عَنْ رَجُلٍ عَنْ أبِيهِ، مِثْلَهُ سَواءً.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ أرْبَعَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ وآيَةَ الكُرْسِيِّ وآيَتَيْنِ بَعْدَ آيَةِ الكُرْسِيِّ، وثَلاثًا مِن آخِرِ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ لَمْ يَقْرَبْهُ ولا أهْلَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْطانٌ ولا شَيْءٌ يَكْرَهُهُ في أهْلِهِ ولا مالِهِ ولا يُقْرَأْنَ عَلى مَجْنُونٍ إلّا أفاقَ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ عَشْرَ آياتٍ مِن سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ في لَيْلَةٍ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ شَيْطانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتّى يُصْبِحَ، أرْبَعٌ مِن أوَّلِها، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، وآيَتانِ بَعْدَها، وثَلاثٌ خَواتِيمَها، أوَّلُها ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] [ البَقَرَةِ: ٢٨٤] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ وكانَ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: مَن قَرَأ عَشْرَ آياتٍ مِنَ البَقَرَةِ عِنْدَ مَنامِهِ لَمْ يَنْسَ القُرْآنَ، أرْبَعُ آياتٍ مِن أوَّلِها وآيَةُ الكُرْسِيِّ وآيَتانِ بَعْدَها وثَلاثٌ مِن آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ماتَ أحَدُكم فَلا تَحْبِسُوهُ، وأسْرَعُوا بِهِ إلى قَبْرِهِ، ولْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفاتِحَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخاتِمَةِ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ في قَبْرِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الكَبِيرِ“ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ العَلاءِ بْنِ اللَّجْلاجِ قالَ: قالَ لِي أبِي: يا بُنَيَّ إذا وضَعْتَنِي في لَحْدِي فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ وعَلى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ سُنَّ عَلَيَّ التُّرابَ سَنًّا، ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفاتِحَةِ البَقَرَةِ وخاتِمَتِها، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في ”تارِيخِهِ“ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ المَلْطِيِّ، عَنْ خَطّابِ بْنِ سِنانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ ثابِتِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلْنا نَهْرَ تَيْرى فَأتانا أهْلُ ذَلِكَ المَنزِلِ، فَقالُوا: ارْحَلُوا فَإنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عِنْدَنا هَذا المَنزِلَ أحَدٌ إلّا أُخِذَ مَتاعُهُ، فَرَحَلَ أصْحابِي، وتَخَلَّفْتُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ آيَةً لَمْ يَضُرَّهُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعٌ ضارِي ولا لِصٌّ طارِي، وعُوفِيَ في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَلَمّا أمْسَيْنا لَمْ أنَمْ حَتّى رَأيْتُهم قَدْ جاءُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ مَرَّةً مُخْتَرِطِينَ سُيُوفَهم فَما يَصِلُونَ إلَيَّ، فَلَمّا أصْبَحْتُ رَحَلْتُ فَلَقِيَنِي شَيْخٌ مِنهُمْ، فَقالَ لِي: يا هَذا إنْسِيٌّ أمْ جِنِّيٌّ؟ قُلْتُ: بَلْ إنْسِيٌّ قالَ: فَما بالُكَ ؟ لَقَدْ أتَيْناكَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً، كُلُّ ذَلِكَ يُحالُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ بِسُورٍ مِن حَدِيدٍ. فَذَكَرْتُ لَهُ الحَدِيثَ، والثَّلاثُ والثَّلاثُونَ آيَةً: أرْبَعُ آياتٍ مِن أوَّلِ البَقَرَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ وآيَةُ الكُرْسِيِّ وآيَتانِ بَعْدَها إلى قَوْلِهِ ﴿خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وثَلاثُ آياتٍ مِن آخِرِ البَقَرَةِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى آخِرِ البَقَرَةِ [ البَقَرَةِ: ٢٨٤] وثَلاثُ آياتٍ مِنَ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] [ الأعْرافِ: ٥٤ - ٥٦] وآخِرُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] إلى آخِرِها [ الإسْراءِ: ١١٠] وعَشْرُ آياتٍ مِن أوَّلِ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] [ الصّافّاتِ: ١- ١١] وآيَتانِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] [ الرَّحْمَنِ: ٣٣ - ٣٥] ومِن آخِرِ الحَشْرِ ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلى آخِرِ السُّورَةِ [ الحَشْرِ: ٢١- ٢٤] وآيَتانِ مِن ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] [ الجِنِّ: ٣، ٤]، فَذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ لِشُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ فَقالَ لِي: كُنّا نُسَمِّيها آياتِ الحِرْزِ ويُقالُ: إنَّ فِيها شِفاءً مِن مِائَةِ داءٍ، فَعَدَّ عَلَيَّ الجُنُونَ والجُذامَ والبَرَصَ وغَيْرَ ذَلِكَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَقَرَأْتُها عَلى شَيْخٍ لَنا قَدْ فُلِجَ، حَتّى أذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ عَشْرَ آياتٍ مِن سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ أوَّلَ النَّهارِ لا يَقْرَبُهُ شَيْطانٌ حَتّى يُمْسِيَ، وإنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَقْرَبْهُ حَتّى يُصْبِحَ، ولا يَرى شَيْئًا يَكْرَهُهُ في أهْلِهِ ومالِهِ، وإنْ قَرَأها عَلى مَجْنُونٍ أفاقَ، أرْبَعَ آياتٍ مِن أوَّلِها وآيَةَ الكُرْسِيِّ وآيَتَيْنِ بَعْدَها، وثَلاثَ آياتٍ مِن آخِرِها.


















0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More